مرحبا بك في الموسوعة نت .. يحتوي موقعنا على اكثر من23750 مقالة يمكن استخدام محرك البحث للبحث عن اي موضوع ..
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in comments
Search in excerpt
Filter by Custom Post Type

جرب: العصور الوسطى, الدائرة الكهربائية, الثورة الصناعية

الدولة السعودية الأولى

الدولة السعودية الأولى

بدأت عام 1157هـ، 1744م وانتهت بعقد اتفاق الصلح الموقع مع إبراهيم باشا عام 1233هـ، 1818م. ينتسب آل سعود إلى جدهم سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى ابن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي، وهو ما وقف عنده النساب الثقات. وينتهي نسبهم إلى بكر بن وائل من القبائل العدنانية الأصيلة.

تاريخ آل سعود القديم
أما تاريخهم القديم فهناك أخبار متناثرة في عدد من المصادر المتنوعة تشير إلى جذورهم التاريخية في المناطق التي تكونت منها الدولة السعودية، ترجع إلى ما قبل ظهور الإسلام، فقد سكنت القبيلة التي ينتمون إليها منطقة اليمامة في العصر الجاهلي، وأول من سكن هذه المنطقة عبيد بن ثعلبة
، وهو الأب الخامس والعشرون للإمام محمد بن سعود ـ رحمه الله ـ وذلك حسب سلسلة النسب المتداولة.

ولما انتشر الإسلام انصهرت هذه المنطقة في بوتقة الدولة الإسلامية، وصار الخلفاء يعينون عليها ولاة من قبلهم، ولما ضعف شأن الجزيرة العربية بانتقال مركز الخلافة عنها، صار تعيين ولاة اليمامة أمرًا شكليا مما تسبب في وجود فراغ سياسي وقيادي نتج عنه انفصال المنطقة، واستقلال الأخيضريين بحكمها في منتصف القرن الثالث الهجري 253هـ، 867م وقد اتسمت سياسة دويلة الأخيضريين بالجور والحيف ـ كما تشير إلى ذلك القصص التاريخية ـ مما دفع أسلاف آل سعود إلى ترك المنطقة وتفرقهم، فأسست فرقة منهم إمارة لها في عالية نجد
، واتخذوا أضُاخ
قاعدة لها حتى غلبتهم عليها قبيلة بني لام أثناء سيطرتها على نجد وطرق الحج فرحل فريق منهم إلى الأحساء، وهناك اختطوا لهم بلدًا سمّوه الدرعية
وفريق عادوا إلى العارض
، وكان ذلك حوالي منتصف القرن السابع الهجري، ويذكر ابن بطوطة أنهم يحكمون اليمامة، وقاعدتها حَجْر وأميرهم طفيل بن غانم
وقد حج معه ابن بطوطة عام 732هـ، 1331م.

وورد أول ذكر لتاريخ آل سعود في تاريخ الفاخريّ في حوادث سنة 850هـ، 1446م، فذكر الفاخريّ وغيره من مؤرخي نجد أن مانعًا المريديّ جد آل سعود كان يقيم في موضع يسمى بالدرعيّة بلد الدروع
قرب بلدة القطيف بمنطقة الأحساء، ومنها رحل عام 850هـ، 1446م إلى حجر اليمامة بناءً على دعوة وجهت إليه من ابن عمه ابن درع صاحب حجر والجزعة، فأقطعه ابن عمه هذا موضعين هما: المليبيد، وغصيبة، فاستقر فيهما مانع وأسرته، وعمروهما بالزراعة. ويرجح أن مانعًا وأسرته هم الذين سموا موضعهم الجديد باسم الدرعية نسبة إلى موطنهم الأول بلد الدروع أو إلى أسرتهم تخليدًا لها، وهي أمور أجمع المؤرخون عليها. وبناءً عليه فإن حكم الأسرة السعودية ممتد في جذوره إلى زمن بعيد.
أدوار التاريخ السعوديّ.
يتفق المؤرخون في العصر الحديث على تقسيم تاريخ الدولة السعودية إلى ثلاثة أدوار تاريخية هي:

الدور الأول. وتبدأ حوادثه التاريخية عام 1157هـ، 1744م، يوم أن تم اللقاء التاريخيّ بين حاكم الدرعيّة وأميرها محمد بن سعود بن محمد بن مقرن والإمام المجدد المصلح الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي بن مشرف التميمي الحنبلي النجديّ. وينتهي هذا الدور عام 1233هـ، 1818م، بعد سقوط الدرعيّة، عاصمة الدولة السعودية الأولى على يد إبراهيم باشا، قائد العسكر العثماني المصريّ الذي أرسله محمد علي باشا، والي مصر العثمانية، للقضاء على الدولة السعودية الأولى. انظر: محمد عبد الوهاب
.

الدور الثاني. ويبدأ هذا الدور بالمحاولات المبكرة التي قام بها الأميران السعوديان: مشاريّ بن سعود بن عبدالعزيز، وتركي بن عبداللهلله بن محمد آل سعود من أجل إعادة بناء دولة آل سعود من جديد. وينتهي هذا الدور عام 1309هـ، 1891م لما استأثر آل رشيد بحكم نجد، ورحل الإمام السعوديّ عبدالرحمن بن فيصل بن تركي، آخر أئمة هذا الدور إلى الكويت ومعه جميع أفراد أسرته من آل سعود.

الدور الثالث. وتبدأ حوادثه التاريخية عام 1319هـ، 1902م، وهو العام الذي تمكن فيه الملك عبدالعزيز آل سعود من استعادة الرياض من حكم آل رشيد، كبداية طبيعية لقيام الدولة السعودية الحديثة، وريثة الدولتين السعوديتين الأولى والثانية.
قيام الدولة السعودية الأولى
بدأ قيام الدولة السعودية الأولى عام 1157هـ، 1744م، العام الذي انتقل فيه الشيخ محمد بن عبدالوهاب من بلدة العُيَيْنة إلى الدرعيّة، وبايعه أميرها محمد بن سعود بن محمد بن مقرن على العمل لتصحيح العقيدة، وتطبيق الشريعة الإسلامية الغراء، وتحقيق التوحيد، وأن يكون الأمير محمد بن سعود إمامًا للمسلمين وذريته من بعده، وهو ماعرف في التاريخ باتفاق الدرعيّة
الذي يعدّ بحق نقطة تحول مهمة في تاريخ نجد الحديث خصوصًا وتاريخ الجزيرة العربية عمومًا. وقد استقبل أمير الدرعية الشيخ وأتباعه وصحبه استقبالاً حسنًا يليق بالعلماء والدعاة، مما يدل على عمق فهمه، وبعد نظره، وصواب فكره السياسي والعقدي. وقد هيأ الأمير محمد بن سعود للجميع جوًا من الطمأنينة والأمن والاستقرار. واتفق الطرفان المتعاهدان على الآتي: 1ـ أن ينصر الأمير محمد ابن سعود الشيخ محمد بن عبدالوهاب ودعوته، وأن يجاهدا معًا ضد من يخالف التوحيد. 2ـ اشترط الأمير محمد بن سعود على الشيخ محمد بن عبدالوهاب أنه في حال نجاح الدعوة السلفية الإصلاحية وتوسع الدولة القائمة على مبادئها عدم الرحيل عنه، فوافق الشيخ محمد بن عبدالوهاب على ذلك قائلاً: ¸ابسط أيها الأمير يدك. الدم بالدم والهدم بالهدم·. 3ـ كان لأمير الدرعية ضرائب يأخذها من الأهالي في أوقات الثمار، وأراد الأمير أن يبقيها مفروضة عليهم، فرد الشيخ عليه قائلاً: ¸فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ماهو خير منها·.

وبعد هذا الحوار الاتفاقي بسط الأمير محمد بن سعود ابن محمد بن مقرن يده فبايع الشيخ محمد بن عبدالوهاب على دين الله ورسوله والجهاد في سبيله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويتضح من نص هذا الاتفاق أنه كان اتفاقًا شفويًا، ولو أنه جاء مكتوبًا لأصبح وثيقة تاريخية مهمة من وثائق التاريخ الإسلامي الحديث، ولصار بمقدورنا معرفة تاريخ الاتفاق بشكل دقيق. وهكذا بزغ فجر الدولة السعودية الأولى، وكان أساس قيامها مبنيًا على الأصول الإسلامية ومبادئ الشريعة الإسلامية.
التدرج في نشر الدعوة.
من المعروف أن أئمة الدولة السعودية الأولى هم: محمد بن سعود بن محمد بن مقرن، وعبدالعزيز بن محمد بن سعود، وسعود بن عبدالعزيز، وعبدالله بن سعود آخر أئمة هذه الدولة. ومن المعروف أيضًا أنه أصبح على كاهل الدولة الجديدة الفتية واجب كبير، تمثل هذا الواجب في القيام بنشر دعوة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب السلفية الإصلاحية في ربوع بلدان نجد أولاً، ثم في ربوع الجزيرة العربية ثانيًا، ثم في العالم الإسلامي خارج الجزيرة العربية ثالثًا. وهذا الأمر متفق عليه في اتفاق الدرعية، وعهد على الدولة السعودية الأولى التي قامت على أساسه، والتي لقب أميرها بلقب إمام لما في هذا اللقب من المفهومين: السياسي والديني. وطبيعي أن نشر الدعوة ليس أمرًا هينًا وقتذاك في ظل ظروف قاسية، ولذا فإن مثل هذا العمل يحتاج إلى جهد كبير. خاصة وأنه سيصطدم بمقاومة ومعارضة كبيرة من عدد من القوى المحلية والخارجية، لأنه عندما عم خبر الاتفاق أرجاء نجد خصوصًا والجزيرة العربية عمومًا؛ خشي الكثير من رؤساء البلدان النجدية وغير النجدية هذا الحدث الجديد لأنهم أيقنوا أن هذا الأمر يمس مواقعهم وقد يلغيها. فقد عدّ معظم رؤساء البلدان النجدية الذين عارضوا الدولة والدعوة معًا، أن مثل هذا الكيان السياسي الجديد، القائم على الدين الإسلامي، سيفقدهم مراكزهم وقوتهم وزعاماتهم وامتيازاتهم. وكذا الحال بالنسبة للزعامات المحلية في الأقاليم المجاورة لنجد. وعدّت الدولة العثمانية الدولة السعودية كيانًا سياسيًا يتحدى وجودها السياسي وزعامتها الدينية في العالم الإسلامي.

بدأت الدولة السعودية الأولى تمارس مسيرة التطبيق والبناء في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. فأخذ الشيخ محمد بن عبدالوهاب يكاتب العلماء ورؤساء البلدان وشيوخ القبائل وغيرهم، شارحًا لهم مبادئ دعوته الإصلاحية وحقيقتها، داعيًا إياهم إلى تطبيق تلك المبادئ، والانضمام إلى الدولة السعودية الأولى، فاختاروا الحل السلميّ في المقام الأول منذ أيامها الأولى، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: أمراء العيينة، وحريملاء، ومنفوحة. وأرسلت الدولة السعودية عددًا من العلماء والبعثات التعليمية إلى أنحاء مختلفة من أقطار الجزيرة العربية لتذكير الناس وتبصيرهم بحقيقة دعوة الشيخ الإصلاحية وماقامت عليه تلك الدعوة من أساس ديني يتمثل في العودة بالمسلمين إلى العقيدة الصحيحة النقية من شوائب البدع والخرافات. وهكذا نلحظ في البداية أن الدولة السعودية الأولى أخذت على كاهلها توحيد بلدان نجد أولاً في دولة واحدة تطبق مبادئ الدعوة السلفية، محاولة ما أمكنها استخدام أسلوب الحل السلمي أولاً، ثم أسلوب القوَّة في حال فشل الأسلوب السلمي من جهة، وزيادة حدة المعارضة وضغطها من جهة أخرى.

اتَّخذت الدولة السعودية الأولى بلدان نجد ومناطقها ميدانًا أول وأرحب للتطبيق خصوصًا في البلدان المحيطة بالدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى. وبعدها أخذت الدولة توسع دائرة حدودها وتنشر دعوتها وبشكل تدريجي في مناطق نجد وفي المناطق الأخرى غير النجدية حتى تكتمل صورة التوحيد السياسي المبني على أسس الدعوة السلفية وفكرها الديني.
الجهد الحربي للدولة في بلدان نجد.
تميزت علاقة الدولة السعودية الأولى بالمعارضة، في نجد وخارجها، بالكفاح المسلح واستخدام الحل العسكري. فخاضت الدولة السعودية الأولى سلسلة طويلة من الحروب المضنية والشاقة على طول تاريخها. وتعد حروبها مع دهام بن دوّاس، أمير بلدة الرياض وقتذاك، من أطول الحروب التي خاضتها ضد القوى النجدية المعارضة التي تصدت لمقاومة الدولة السعودية الأولى، وهي مازالت في مطلع نشأتها وتأسيسها. فجاهر هذا الحاكم النجدي بعدائه القوي لحكومة الدرعية منذ عام 1159هـ، 1746م، أي بعد اتفاق الدرعية والرياض، بقرابة ثمان وعشرين سنة، وانتهى الصراع أخيرًا بضم الرياض إلى الدولة السعودية عام 1187هـ، 1773م في عهد الإمام الثاني من أئمة الدولة السعودية الأولى، عبدالعزيز بن محمد بن سعود.

وبضم الرياض تكون الدولة السعودية قد أزاحت من طريقها معارضًا قويًا وعنيفًا هو دهام بن دوّاس، مما ساهم إلى حد كبير في حل كثير من المشكلات السياسية والاقتصادية التي كانت تعترض سبيل الدولة السعودية الأولى، وتؤثر بشكل أو بآخر على عملية إعداد الحملات العسكرية السعودية خصوصًا في الوقت الذي كانت فيه الدولة مشغولة بأمور البناء والتأسيس وصد هجمات أعدائها عليها، ليس في نجد فحسب، وإنما في خارجها أيضًا.

وظلت الدولة السعودية الأولى تمارس الجهدين: السلمي والعسكري في منطقة نجد حتى السنوات الأولى من مطلع القرن الثالث عشر الهجري (أواخر القرن الثامن عشر الميلادي). عندها تمكنت الدولة من بسط سيادتها على جميع بلدان نجد، وتطبيق مبادئ الدعوة الإصلاحية فيها، وهو أمر ساعد على توسيع رقعة تلك الدولة فأصبحت تمتد من الدهناء والصمّان شرقًا حتى الحجاز غربًا، وفي حدود جبل شمّر شمالاً حتى نهاية حدود وادي الدواسر جنوبًا. وبهذا تكون الدولة قد حقَّقت المرحلة الأولى من مشروعاتها التوحيدية الطويلة والواسعة، والتي ركزت في المقام الأول على البلدان المجاورة للدرعيّة، ثم تعدّت ذلك إلى دائرة أوسع حتى استكملت ضمّ إقليم نجد كله. وكان على الدولة بعد ذلك أن تعدّ نفسها لعمل أوسع وجهد أكبر لأنها أخذت تجابه قوى سياسية أكبر من التي جابهتها في بلدان نجد ومناطقها، ولأنها ستجابه أوضاعًا تكاد تكون مختلفة عن تلك التي جابهتها في إقليم نجد. حتى أنها ستجد في بعض المناطق مجابهة مذهبية مما يزيد في شدة الموقف العدائي وصلابته، ويقوي في الوقت نفسه حدة الصراعات والحروب بين الدولة السعودية الأولى والقوى السياسية المعادية لها خارج إقليم نجد.
الدولة السعودية الأولى وقوى المعارضة الخارجية معارضة حاكم نجران.
حدث احتكاك مسلح بين الدولة السعودية الأولى وحاكم نجران، حسن بن هبة الله الذي ساعد بعض جماعات من العجمان على الثأر لما حل بها على يد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود الذي أنجد جماعة من قبيلة سبيع اعتدى عليها العجمان. فجمع حسن بن هبة الله المكرمي جيشًا كبيرًا من جماعته واتجه صوب بلدة الحائر وحاصرها وشدّد عليها الحصار، فقام الإمام عبدالعزيز فأنجدها بقوات كبيرة تحت قيادته، وكان ذلك في عهد والده الإمام محمد بن سعود. ونتج عن وقعة الحائر هزيمة كبيرة للقوات السعودية عام 1178هـ، 1764م، وتم صلح بين الطرفين جرى بمقتضاه تبادل الأسرى.

لم تكن وقعة الحائر نهاية الصراع بين الدولة السعودية الأولى وحاكم نجران. فقد تحالف حاكم نجران مع زيد بن زامل رئيس بلدة الدلم، وبطين بن عريعر، حاكم الأحساء ضد حكومة الدرعية. فاستعد الإمام عبدالعزيز لقهر هذا التحالف وتشتيته. وانتهت حملة التحالف هذه بتفرق المتحالفين، وتوفي هبة الله المكرمي أثناء عودته إلى نجران. وظل الموقف العدائي لحاكم نجران ضد الدولة السعودية الأولى حتى عام 1220هـ،1805م، حيث انضوت منطقة نجران تحت لواء الدولة السعودية الأولى.
معارضة حكام الأحساء.
اصطدمت الدولة السعودية الأولى بمعارضة بني خالد القوة المحلية بالمنطقة الشرقية، حيث شكل بنوخالد حكومة محلية قوية نسبيًا بعد طردهم للعثمانيين من منطقة الأحساء في عهد رئيسهم براك بن غرير بن عثمان آل حميد الخالدي. وامتدت سلطة بني خالد في أوج قوتها إلى الكويت، وبعض بلدان نجد في قلب الجزيرة العربية. وقد عارض زعيم بني خالد، سليمان ابن محمد بن براك بن غرير دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وجند المعارضين ضدها.

حدث تصادم بين الدولة السعودية الأولى وبني خالد في عهد كل من عريعر بن دجين، وبطين بن عريعر، وسعدون بن عريعر، وبرّاك بن عبدالمحسن بن سرداح الذي هزمه الأمير سعود بن عبدالعزيز شر هزيمة في وقعة الشيط المشهورة، شرقي اللصافة عام 1207هـ، 1792م. وعلى أثر هذه الهزيمة أرسل الأمير سعود بن عبدالعزيز مندوبين عنه إلى الأحساء، وأعطاهما رسائل إلى أهل الأحساء يدعوهم فيها إلى اتباع دعوة الشيخ الإصلاحية، والانضمام إلى الدولة السعودية الأولى. وبعد سلسلة طويلة من الاحتكاكات والحروب بين الدولة السعودية الأولى وحكام الأحساء من بني خالد على مدى حقبة تاريخية طويلة، تمكن الأمير سعود ابن عبدالعزيز من ضم منطقة الأحساء، وبشكل تام وكامل، إلى الدولة السعودية الأولى عام 1208هـ، 1793م. وبذلك تكون الدولة السعودية الأولى قد خرجت من دائرة إقليم نجد لتطل بحدودها على مياه الخليج، ممّا أكسبها مركزًا استراتيجيًا مهمًا في المجالين السياسي والاقتصادي. ونلحظ أيضًا أن الدولة السعودية الأولى أصبحت تحاذي النفوذ العثماني في العراق وتجاوره، ممّا مهد لقيام نوع من الاحتكاكات أدّت إلى اشتباكات مسلحة بين الدولة السعودية الأولى وولاة العراق العثماني، خاصة مع ولاية البصرة وقبائل المنتفق المقيمة في جنوبي العراق، حيث إن عددًا من شيوخ بني خالد كانوا قد لجأوا عند تلك القبائل علّهم يتمكنون فيما بعد من استعادة سيادتهم على منطقة الأحساء. وبهذا الإجراء تكون الدولة السعودية الأولى قد شكلت وجودًا خطرًا على الحكم العثماني في مناطق جنوبي العراق، ممّا كان سببًا في قيام صراع طويل ومرير بين الدولة السعودية الأولى والدولة العثمانية، حتى إن هذا التطور السياسي المحلي الوطني نبه الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية لتعمل على مراقبة الأوضاع في منطقة الخليج مراقبة صارمة، ممّا ساعد على تقوية حدة التنافس الدولي على مياه الخليج ومناطقه.
الدولة السعودية الأولى وولاة العراق.
حدث صدام مسلح بين الدولة السعودية الأولى وولاة العراق العثماني بعد أن تجمعت عوامل الاحتكاك بين الطرفين. فقد أصبح جنوب العراق ملاذًا للقوى المعارضة للدولة السعودية الأولى والدعوة السلفية الإصلاحية. وبرزت عوامل الاحتكاك بشكل واضح بين الطرفين في أعقاب حملة قام بها ثويني بن عبدالله رئيس قبائل المنتفق على القصيم عام 1201هـ، 1786م، ومعه أعداد غفيرة من المنتفق وأهل الزبير وبوادي شمّر وغالبية طي. ونازله أهل بلدة التنومة، التي ضربها بمدافعه ودخلها عنوة. ثم توجه صوب مدينة بريدة وحاصرها، لكنه اضطر إلى رفع الحصار عنها عندما سمع بوقوع اضطرابات في بلاده، فقفل عائدًا إلى وطنه ليحافظ على مركزه هناك.

أرسل الإمام عبدالعزيز بن محمد رسالة إلى سليمان باشا والي بغداد العثماني مصحوبة بنسخة من كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد
. وطلب من الوالي أن يجمع علماء بغداد للنظر فيه والعمل على تطبيق مبادئ الدعوة الإصلاحية. فجاء الرد بالرفض الكامل والقاطع على الرغم من أن حال العراق العثماني لم يكن على مايرام لكثرة الاضطرابات الداخلية والفتن المحلية والقبلية.

ولما رفض والي بغداد دعوة الإمام عبدالعزيز، هاجم الأمير سعود بن عبدالعزيز بأمر من والده قبائل المنتفق عام 1203هـ، 1788م. وبعد ذلك توالت المناوشات والاصطدامات العسكرية بين الدولة السعودية الأولى وولاة العراق العثماني. فغزا سعود قبائل الظفير القاطنة في مناطق الحدود العراقية السعودية بسبب موقفها المعادي للدولة السعودية الأولى.

نتيجة لذلك أرسل الوالي العثماني سليمان باشا حملة عسكرية منظمة وقوية ضد الدولة السعودية الأولى في الأحساء كانت تحت قيادة ثويني بن عبداللهلله، وكانت حملته فاشلة. فكان رد السعوديين أن هاجموا مناطق جنوبي العراق تحت قيادة الأمير سعود بن عبدالعزيز نفسه، وتوغلوا فيها حتى بلدة أم العباس.

جاء الرد العثماني العراقيّ، فوجه سليمان باشا، والي بغداد العثماني، حملة ضد السعوديين في الأحساء كانت تحت قيادة كتخذاه علي كيخيا عام 1213هـ، 1798م. وقد وصفت تلك الحملة بأنها منظمة وقوية، ساهمت فيها قبائل المنتفق والظفير وغيرهم من قبائل جنوبي العراق. وعلى الرغم من وصول الحملة إلى الأحساء إلاّ أنها في نهاية الأمر فشلت ولم تحقق غرضها.

هاجمت القوات السعودية منطقة جنوبي العراق خصوصًا بعد أن قتل الخزاعل الشيعة ثلاثمائة رجل من الموالين والتابعين للدولة السعودية الأولى، وذلك عام 1214هـ، 1799م. وهاجم السعوديون مناطق جنوبي العراق عام 1216هـ، 1801م، وهدموا ما شاهدوه هناك من أضرحة وقباب ومزارات بما فيها قبة الحسين، فأًصدرت الدولة العثمانية أوامرها المشددة إلى والي بغداد من أجل أن يعمل على وقف الحملات العسكرية السعودية على مناطق جنوبي العراق. وغضب شاه إيران وأراد التدخل العسكري، وطلب من والي بغداد السماح لقواته بالمرور عبر العراق والزحف على السعوديين في الأحساء. وتوالت الحملات السعودية بعد ذلك على مناطق جنوبي العراق حتى وصلت إلى أسوار كربلاء مرة ثانية عام 1223هـ، 1808م.

ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أن ولاة العراق لم يكونوا قادرين على إضعاف الدولة السعودية الأولى وتهيئة الظروف العسكرية المواتية للقضاء عليها. وظل موقفهم موقفًا دفاعيًا ضعيفًا، ممّا ثبت في عقول المسؤولين العثمانيين في إسطنبول فكرة عدم جدوى مقاومة الدولة السعودية الأولى عن طريق ولاة العراق، وأصبح لزامًا على الدولة العثمانية أن تسند تلك المهمة إلى ولاية عثمانية أخرى.
الدولة السعودية الأولى وأشراف الحجاز.
لم تكن علاقة الدولة السعودية الأولى بأشراف الحجاز أُفضل من علاقتها بولاة العراق. بدأت العلاقة سلمية فأرسلت الدولة السعودية الأولى عددًا من العلماء إلى مكة لمناقشة علمائها ومحاورتهم في كثير من المسائل الدينية التي تشكل مبادئ الدعوة السلفية الإصلاحية. لكن الأمر لم يستقم في المسار السلمي، بل أخذ الوضع في التدهور خصوصًا عندما رفض بعض الأشراف السماح لأتباع الدعوة بأداء فريضة الحج في عهود الأشراف: مسعود بن سعيد، ومساعد بن سعيد، وسرور بن مساعد، وغالب بن مساعد الذي تأزم الخلاف في عهده فأصبح خلافًا لايمكن حله إلا بالوسائل العسكرية بعدما فشلت الحلول السلمية. فأرسل الشريف غالب حملة إلى السر كانت تحت قيادة أخيه الشريف عبدالعزيز، ولكن تلك الحملة لم تُعط النتيجة التي كان يتوقعها الشريف غالب، بل لاحقتها قوات الدولة السعودية الأولى إلى بلدة الشعراء. ورد الشريف غالب على ذلك بأن أرسل حملات عسكرية تأديبية ضد القبائل المؤيدة للدولة السعودية الأولى، فتصدى لها هادي بن قرملة شيخ قحطان المؤيد للدولة السعودية الأولى والمناصر للدعوة السلفية، وذلك عام 1210هـ، 1795م. واستمر الشريف في إرسال الحملات ضد تلك القبائل، وظل الأمر كذلك حتى تمكنت القوات السعودية من إلحاق الهزيمة بالقوات الحجازية عام 1212هـ، 1797م عند بلدة الخرمة، واضطر الشريف غالب إلى طلب الصلح الذي ظل ساري المفعول حتى عام 1217هـ، 1803م. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدولة العثمانية لم تقدم مساعدة للشريف غالب، علمًا بأن الشريف غالبًا كان قد أعلم الدولة العثمانية بما يجري في المنطقة.

وقد تغير الموقف تمامًا عندما خرج وزير الشريف، عثمان المضايفي عليه، وأعلن انضمامه إلى الدرعيّة، مع أن المضايفي هذا هو صهر الشريف غالب. وتمكن المضايفي من محاصرة الطائف، وأنجدته قوات سعودية فاضطر الشريف غالب إلى الانسحاب منها باتجاه مكة المكرمة، فاستسلمت الطائف ودخلها المضايفي وقواته عام 1217هـ، 1803م.

تقدمت القوات السعودية بقيادة الأمير سعود بن عبدالعزيز صوب مكة المكرمة في 8 محرم عام 1218هـ، 1803م، ودخلتها بعد انتهاء موسم الحج، وكان الشريف غالب قد غادرها قبل ذلك متوجهًا إلى جدة، تاركًا أخاه الشريف عبدالمعين على إدارة مكة المكرمة، يتصرف في أمرها بما تمليه عليه الظروف بالنسبة للموقف السعودي. وقد وافق الشريف عبدالمعين هذا على تسليم مكة للقوات السعودية دون مجابهة عسكرية لأن موقف الأشراف الحربي أصبح لايسمح بذلك. واشترط الشريف عبدالمعين على الأمير سعود أن يبقيه شريفًا على مكة، فوافق الأمير سعود على شرطه، ودخل السعوديون مكة المكرمة محرمين، وقرئ على منبر المسجد الحرام كتاب الأمان العام لجميع أهالي مكة. وهذا نص وثيقة الأمان: من سعود بن عبدالعزيز إلى كافة أهل مكة والعلماء والأغاوات وقاضي السلطان. السلام على من اتبع الهدى… أما بعد: فأنتم جيران بيت الله وسكان حرمه آمنون بأمنه. إنما ندعوكم لدين الله ورسوله. ﴿قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاّ الله ولانشرك به شيئًا ولايتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ آل عمران: 64. فأنتم في وجه الله ووجه أمير المسلمين سعود بن عبدالعزيز وأميركم عبدالمعين بن مساعد فاسمعوا له وأطيعوا ما أطاع الله والسلام·.

وفي مكة المكرمة ألقى الأمير سعود بن عبدالعزيز خطابًا جامعًا وضح فيه مبادئ الدعوة السلفية الإصلاحية، ودعا الناس إلى هدم القباب المقامة على القبور فهدمت. وأمر بتدريس كتاب كشف الشبهات
في المسجد الحرام في حلقة عامة يحضرها العلماء والأهالي.

وأرسل الأمير سعود بن عبدالعزيز إلى السلطان سليم الثالث كتاباً هذا نصه: ¸إني دخلت مكة، وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ماهناك من أشباه الوثنية وألغيت الضرائب إلاّ ماكان منها حقًا. وثبّت القاضي الذي وليته أنت طبقًا للشرع الإسلامي. فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور فإن ذلك ليس من الدين في شيء·.

حاصر الأمير سعود بن عبدالعزيز مدينة جدّة لكنه لم يستطع دخولها لأنها محصنة بالخنادق، وفيها جميع قوات الأشراف والقوات العثمانية المقيمة المساندة لقوات الأشراف. ومعروف أن جدّة مدينة محصنة لأنها مركز بحري تجاري مهم بالنسبة للحجاز وبالنسبة للعثمانيين والأشراف.

لم تستقم الأمور في مكة للسعوديين، لأنه عندما رجع الأمير سعود إلى الدرعية، عاد الشريف غالب فدخل مكة دون معارضة من أخيه الشريف عبدالمعين. ثم تقدم صوب الطائف وكانت فيها قوات سعودية، بالإضافة إلى قوات عثمان المضايفي وأتباعه. فحاصر الشريف غالب الطائف، وأثناء ذلك جاء خبر استشهاد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود عام 1218هـ. 1803م، وتولى الإمام سعود بن عبدالعزيز الحكم خلفًا لأبيه.

وصل نبأ استرداد الشريف غالب مكة إلى الدرعية، فقرر الإمام سعود بن عبدالعزيز أن يضع حدًا لتصرفات الشريف غالب. فأمر قواته في مناطق عسير ونواحي تهامة بمهاجمة جدّة، وكانت تلك القوات برئاسة عبدالوهاب أبو نقطة. ثم بنى السعوديون حصنًا قويًا في وادي فاطمة ووضعوا فيه قوات سعودية كبيرة أخذت تهاجم قواعد الشريف غالب في المنطقة. وبعدها أرسلت الدرعية قوات سعودية كبيرة جدًا إلى مكة المكرمة فحاصرتها بشدة كي تضعف قوات الشريف غالب عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا حتى يضطر إلى الاستسلام. وبالفعل أدرك الشريف غالب أنه ليس باستطاعته الصمود في وجه القوات السعودية، فاضطر إلى طلب الصلح على شرط أن يبقى شريفًا على مكة وأميرًا عليها تابعًا للدولة السعودية الأولى. وهكذا عادت مكة المكرمة إلى الدولة السعودية الأولى. وبعدها دخلت القوات السعودية المدينة المنورة عام 1220هـ، 1805م.

وممّا لاشك فيه أن دخول الدولة السعودية الأولى بلدان الحجاز: مكة والمدينة وجدّة والطائف وغيرها قد أدّى إلى قيام نوع جديد من العداء الشديد بين الدولة السعودية الأولى والدولة العثمانية صاحبة السيادة والنفوذ في الولايات العربية العثمانية، وخصوصًا المسألة الحجازية التي تؤثر على سمعة الدولة العثمانية ومركزها ليس في العالم العربي فحسب، وإنما في العالم الإسلامي كله عندما فقد سلاطينها لقب حامي الحرمين الشريفين، والحق الرسميّ في الإشراف على المناطق الإسلامية المقدسة في الحجاز. فرأت الدولة العثمانية ضرورة معالجة مسألة الحجاز ومسألة الدولة السعودية الأولى بشكل حربي سريع، وليس في شكل محاورات ومناقشات سلمية. وعندما تأكدت الدولة العثمانية أن ولاية دمشق غير قادرة على التنفيذ، وأنه ليس بإمكانها فرض الحل الحاسم، وجهت الدولة أوامرها السلطانية إلى محمد علي باشا والي مصر العثمانية للقيام بتنفيذ هذا الحل في صورته الحربية لفرض الأمر الواقع بالقوة، خصوصًا وأن الدولة العثمانية دولة قادرة على مواجهة المشاكل الداخلية بيد أنها أصبحت عاجزة أمام الدول العالمية الكبرى وقتذاك.
الدولة السعودية الأولى ومحمد علي باشا.
عدّ العثمانيون الإجراء السعودي المتمثل في ضم إقليم الحجاز إلى الدولة السعودية الأولى وحرمانهم من لقب حامي الحرمين الشريفين بمثابة تَحَدٍّ ديني وسياسي يواجه سيادتهم على العالم العربي الإسلامي. وبناءً على تلك المتغيرات والمستجدات قررت الدولة العثمانية إسناد مهمة التحدي العسكري لتلك الدولة إلى محمد علي باشا واليها في مصر بعد فشل ولاية العراق من جهة، وعجز ولاية الشام من جهة ثانية. انظر: مصر، تاريخ
. ومن الواضح أن الدولة العثمانية حاولت القضاء على الدولة السعودية الأولى من خلال قوات ولاياتها العربية المجاورة لتلك الدولة، ومن خلال استخدام طاقات تلك الولايات واقتصادها، خصوصًا وأن الدولة العثمانية وقتذاك كانت جد مشغولة في أمورها الداخلية من جهة، وأمورها الخارجية من جهة أخرى.

وهناك دوافع وأسباب أدّت بالعثمانيين إلى إسناد تلك المهمة إلى ولاية مصر وواليها محمد علي باشا، حيث إنَّ ولاية مصر أكبر الولايات العربية العثمانية في المنطقة، وهي ذات إمكانات بشرية واقتصادية ومالية كبيرة، بالإضافة إلى خبراتها الحربية وتجاربها السياسية والإدارية مع مناطق الجزيرة العربية خصوصًا الجانب الغربي منها. ولم تكن تلك التجارب وليدة فترة زمنية محدودة، أو حقبة تاريخية معينة، وإنما هي تجارب تاريخية ممتدة على فترات تاريخية متشابكة ومتعاقبة. ويعدّ هذا التكليف بمثابة جس نبض لمحمد علي باشا، وامتحان لابد أن يدخله ويجتازه حتى يحافظ على زعامته.

وأول تكليف رسمي وجه إلى محمد علي باشا كان في عهد السلطان مصطفى الرابع، وذلك عام 1222هـ، 1807م، استنادًا إلى معلومات الوثائق العثمانية المحفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة. وقد اعتذر محمد علي في بادئ الأمر متعللاً بالمشكلات الاقتصادية والظروف الصعبة التي تمر بها ولايته نتيجة تمكن المماليك من السيطرة على صعيد مصر، ونتيجة لانخفاض الفيضان في نهر النيل، بالإضافة إلى ما أبداه من مخاوف تجاه أطماع الدول الأوروبية في ولايته. ولكن مع هذا كله اضطر محمد علي باشا إلى قبول الأوامر والإذعان لمطالب السلطان.
الحملات العسكرية ضد الدولة السعودية الأولى حملة أحمد طوسون.
بدأت حملة طوسون السفر من القاهرة في 19 رجب 1226هـ، 1811م، وكانت تتألف من 8,000 جندي، منهم خمسة آلاف من المشاة والمدفعية سافروا بحرًا. ومنهم ثلاثة آلاف من الفرسان سافروا بطريق البر عبر العقبة ومنها إلى ينبع أحد موانئ إقليم الحجاز.

حاول محمد علي باشا وكذلك السلطات العثمانية في إسطنبول استمالة الشريف غالب العدو اللدود للدولة السعودية الأولى، عن طريق الرسائل التي أرسلت إليه بوساطة التجار العاملين في التجارة في مدينة جدّة. ولم تجد الحملة مقاومة في ينبع التي كانت تُدير أمورها جماعات من قبيلة جهينة المؤيدة للدرعية. وركز أحمد طوسون قائد الحملة على إغداق الأموال والهدايا والخلع على شيوخ القبائل ورؤساء الجماعات التي تقطن الموانئ الحجازية ولها نفوذ فيها لتكون سندًا لقواته، ولتقبل تأجير إبلها إلى القوات العثمانية من أجل حمل المؤن والعتاد من المناطق الساحلية إلى داخل بلاد الجزيرة العربية.

قرر السعوديون استدراج القوات العثمانية إلى الأراضي النجدية من أجل إضعافها وتشتيت قواتها. ولجأوا إلى أسلوب المقاومة والدفاع عوضًا عن الهجوم. وبهذا الأسلوب نجح الإمام سعود بن عبدالعزيز في السيطرة على الطريق الرئيسي الواصل بين المدينة المنورة ومنطقة القصيم. وتمكنت القوات السعودية من إنزال هزيمة كبيرة بقوات طوسون في وقعة وادي الصفراء، حيث إن القوات السعودية بقيادة الأمير عبدالله بن سعود والقائد السعودي سعود بن مضيان كانت قد تمركزت في القمم الجبلية المطلة على أطراف الوادي. وبعد هذه الهزيمة اضطر أحمد طوسون إلى طلب العون والمساعدة من والده محمد علي باشا.
حملة أحمد بن نابرت الخازندار.
أرسل محمد علي باشا حملة عسكرية جديدة ضد الدولة السعودية الأولى، كانت تحت قيادة أحمد بن نابرت الخازندار من أجل دعم صمود حملة أحمد طوسون، وكان ذلك عام 1227هـ، 1812م. وقد وصلت تلك الإمدادات العسكرية إلى ميناء ينبع، وكان طوسون قد نقل قيادته إلى بدر، وهناك أخذ ينظم القوات العثمانية المصرية، وبعدها زحف صوب وادي الصفراء واحتله. ثم تقدمت قوات طوسون وحاصرت المدينة المنورة وضربت سورها بالمدافع ودمرت بعض أجزائه بالمتفجرات، عندها اضطرت الحامية السعودية في المدينة إلى الاستسلام. وتعود سرعة استيلاء طوسون على المدينة لعدة أسباب: 1ـ قوة جيش طوسون، وحداثة معداته العسكرية، وتدريبه المنظم. 2ـ تأييد بعض القبائل البدوية لطوسون، وتعرض الحامية السعودية في المدينة المنورة إلى مرض الكوليرا الذي فتك بجندها. 3ـ التأييد الذي لقيته حملة طوسون في المدن الحجازية خصوصًا من الأشراف وأصحاب النفوذ في الحجاز وهو أمر له مفعوله النفسيّ والمعنوي في المعركة.

أما مكة المكرمة فقد انسحب منها السعوديون بعد انضمام الشريف غالب بن مساعد إلى القوات العثمانية المصرية، وبذلك استرجعها العثمانيون. وبعدها دخلت قوات الحملة مدينة الطائف، وبذلك تكون مدن الحجاز جميعها قد عادت إلى السيادة العثمانية الممثلة في سيادة والي مصر.

ونلحظ هنا أن القوات السعودية كانت قد وضعت خطة استراتيجية عسكرية ضد قوات محمد علي باشا تمثلت في إخلاء مواقعها العسكرية تدريجيًا، وتركيز قواتها العسكرية في الأراضي النجدية. ونجح الإمام سعود في استدراج قوات أحمد طوسون إلى نجد حيث المناطق الصحراوية الشاسعة التي تجهلها تمامًا قوات طوسون، ولم تجرّب الحرب فيها. بالإضافة إلى ذلك فإنها بهذا الأسلوب تكون قد أبعدت قوات طوسون عن مركز العتاد والمؤن من جهة، وعن قيادتها المركزية من جهة أخرى. وبعد ذلك يمكن الانقضاض عليها وتشتيتها. كما أن القيادة العسكرية السعودية كانت قد خططت لتنفيذ خطة هجومية ضد القوات العثمانية المصرية الزاحفة صوب نجد. فقاد الإمام سعود جيشًا زحف به صوب الحناكية للسيطرة على الطريق الرئيسي الذي يربط المدينة المنورة بالقصيم. ونجح الجيش السعوديّ في أسر جماعات من القوات العثمانية المصرية وإرسالها إلى والي بغداد تحت حراسة أمير جبل شمّر. وقام جيش الإمام سعود بعدة حملات تأديبية ضد البدو الذين أيدوا القوات العثمانية. وسار جيش سعودي بقيادة فيصل بن سعود إلى تربة واتخذها مركزًا للقيادة السعودية في المنطقة. واستطاع هذا الجيش إنزال هزيمة ساحقة بقوات طوسون التي كانت تحت قيادة مصطفى بك رئيس الفرسان والشريف راجح أحد الأشراف المرشحين لشرافة مكة بعد الشريف غالب.

ارتبك موقف طوسون من جراء انهزام قواته في تربة، وتأييد عدد من قبائل المنطقة للدولة السعودية الأولى، ولأنه ظل لا يعلم شيئًا عن قواته في الحناكية بعد أن سيطر السعوديون على الطريق الواصل بين المدينة المنورة والقصيم. فدفع هذا الأمر طوسون إلى طلب العون والمساعدة مرة أخرى من والده محمد علي باشا الذي رأى ضرورة سفره إلى الحجاز لمراقبة الموقف عن كثب، وإجراء اللازم لتغيير الموقف كي يكون في صالح قواته.
حملة محمد علي باشا.
وصل محمد علي باشا مدينة جدّة عام 1228هـ، 1813م. وفيها أخذ يعدّ الخطط لاستمالة العربان رجال القبائل، والشيوخ منهم. وجعل مدينة جدّة مستودعًا رئيسًا للعتاد. واهتم بوسائل نقل المؤن والعتاد من مصر إلى الحجاز. وأقام حاميات عسكرية على الطرق الرئيسية وفي المواقع الاستراتيجية. وجعل الطائف مركز قيادة ابنه طوسون. وألقى القبض على الشريف غالب، وصادر أمواله، وأرسله إلى مصر عام 1228هـ، 1813م لأنه لايثق بولائه. وفي ظل هذه الظروف الصعبة توفي الإمام سعود بن عبدالعزيز عام 1229هـ، 1814م. وبهذا حُرمت الدولة السعودية الأولى من قيادة إمام محنك، وعسكري مجرب، وإداري قدير، وشخصية قوية. وقد خلفه في حكم الدولة السعودية الأولى أكبر أبنائه عبدالله بن سعود، وهو أقل خبرة ودراية في إدارة شؤون الدولة من والده.

كانت القوات السعودية في الجنوب بقيادة طامي بن شعيب قد حققت نصرًا كبيرًا على قوات محمد علي باشا في حصن بخروش علاس، وألحقت بها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. ولكن الدولة السعودية الأولى لم تستفد من هذه الانتصارات كثيرًا لأن الإمام عبدالله بن سعود كان وقتها في حرب ضد قبيلتي مطير وحرب اللتين خرجتا عليه.

وشارك محمد علي بنفسه في وقعة عنيفة ضد القوات السعودية في بسل الواقعة بين الطائف وتربة. وتمكنت القوات العثمانية المصرية من تحقيق انتصار ساحق على القوات السعودية في هذا المكان عام 1230هـ، 1815م، وكان قائد القوات السعودية في تلك الوقعة الأمير فيصل ابن سعود الكبير أخا الإمام عبدالله بن سعود. وبعد تلك الوقعة تقدمت القوات العثمانية المصرية إلى بلدة تربة واحتلتها، وأصبحت تلك البلدة مركزًا عامًا للقوات العثمانية المصرية بدلاً من مدينة الطائف ومن قبلها ميناء ينبع على البحر الأحمر.

صدرت الأوامر إلى محمد علي باشا من الباب العالي تأمره بتوجيه حملات عسكرية تأديبية ضد قبائل عسير المؤيدة للدولة السعودية الأولى. فوجه محمد علي باشا قوات صوب الجنوب، احتلت بيشة وهي مفتاح الطريق إلى بلاد عسير من جهة الشمال الشرقي. وهزمت كذلك قوات طامي بن شعيب المؤيدة للدولة السعودية الأولى. وبعد ذلك تقدمت قوات محمد علي باشا صوب بلدة القنفذة واحتلتها. وهكذا أصبح جنوب الحجاز خاضعًا في مُعْظَمه لسيادة محمد علي والدولة العثمانية. وفي خضم هذا الجهد الحربي للقوات العثمانية المصرية عاد محمد علي باشا إلى مصر على أثر تمرد حدث فيها.

وفي ميادين القتال الشمالية كانت قوات طوسون قد وصلت في زحفها إلى بلدة الرس بعد أن استولت على عدد من بلدان منطقة القصيم. وعلى الرغم من هذه الانتصارات التي حققتها قوات طوسون على بعض بلدان القصيم، إلاّ أن طوسون أدرك أنه ارتكب خطأ كبيرًا حين توغل في منطقة القصيم حيث إن قواده وجنده لايعرفون المنطقة، ولايتقنون حرب الصحراء بالقدر الذي تتقنه القوات السعودية المتدربة عليه والتي تعرف البلدان ودروبها ومناطق وجود الماء فيها، بالإضافة إلى تأييد السكّان لها. لذا فكر طوسون أن يعقد صلحًا مع الإمام عبدالله بن سعود ويلحق بعد ذلك بوالده، خصوصًا وأن صحته قد اعتلت ومرض وأصبح بحاجة إلى الراحة والبعد عن القتال والحروب، وقد ضمن ذلك في رسالة إلى والده محمد علي كي يأذن له بالعودة إلى مصر. فاستأذن محمد علي الباب العالي في ذلك فوافق، عندها عاد أحمد طوسون إلى القاهرة عام 1231هـ،1815م.

وقبل أن يعود طوسون إلى القاهرة دخل في مفاوضات مع الإمام عبدالله بن سعود الذي جمع القوات السعودية وتوجه بها إلى القصيم لمحاربة القوات العثمانية المصرية التي احتلت الخبراء والرس وغيرهما من بلدان منطقة القصيم. وقد توصل الطرفان إلى صلح مؤقت، وهو ليس صلحًا بقدر ماهو هدنة مؤقتة، عرف بصلح الرس، من أهم شروطه:

1ـ أن تقف الحرب بين الطرفين. 2ـ استقلال الإمام عبدالله بن سعود بحكم نجد بعد أن تنسحب القوات العثمانية المصرية منها. 3ـ أن يبقى الحجاز تحت السيادة العثمانية ممثلة في سيادة محمد علي باشا والي مصر. 4ـ احترام سلامة التنقل في بلاد نجد وفيما بينها وبين الحجاز وولاية الشام وولاية مصر وغيرها من الولايات العثمانية. 5ـ عدم اعتراض سبيل الحجاج وقوافلهم من الجانبين.

وبمقتضى هذا الصلح انسحبت قوات طوسون من بلدان نجد في شهر شعبان عام 1230هـ، 1815م، إلاّ أن فترة السلم هذه لم تدم طويلاً لأن كلا الطرفين ظل يعد العدة من أجل محاربة الطرف الآخر.
حملة إبراهيم باشا.
أخذ محمد علي باشا يعدّ العدة لإرسال حملة كبيرة أكثر قوة وتنظيمًا من حملة ابنه طوسون، لتقوم بمهمة القضاء على الدولة السعودية الأولى خصوصًا وأن قوات محمد علي في حروبها ضد القوات السعودية، كانت قد حصرت القوات السعودية في نجد بعد أن سيطرت تمامًا على إقليم الحجاز برمته. فقد حرص محمد علي باشا أن تكون حملته الجديدة مزودة بكل متطلبات الجندي فأعد جماعة من الأطباء الإيطاليين للإشراف الصحي على العسكر. وزود الحملة بعدد من الخبراء العسكريين الأجانب على رأسهم مسيو فيسير الفرنسي الذي كان بمثابة أركان حرب لإبراهيم باشا، وهو من بين الضباط الفرنسيين الذين خدموا في جيش نابليون بونابرت.

سارت الحملة بعد أن استكملت جميع عُددها صوب ينبع عام 1231هـ، 1816م. وفي ميناء ينبع أخذت قوات إبراهيم باشا تقوم بمناورات عسكرية كي تخيف بذلك القبائل التي ظلت تتمرد على سلطة العثمانيين وواليهم محمد علي باشا. والواقع أن القوات العثمانية المصرية الجديدة دخلت الجزيرة العربية بقوة وأسلحة وعتاد وتنظيم لم تعهده المنطقة من قبل.

توجه إبراهيم باشا بقواته من ينبع إلى المدينة المنورة، وهناك وضع خطته العسكرية الجديدة متلافيًا كل الأخطاء والسلبيات التي وقعت فيها الحملات العثمانية المصرية السابقة، خصوصًا حملة أحمد طوسون. وتوجه بقواته إلى الحناكية فوصلها في أواخر عام 1231هـ، 1816م. وهناك بدأت قوات إبراهيم تغير على القبائل العربية الموالية للدولة السعودية الأولى. وكان الإمام عبدالله وقتذاك يعدّ قواته لملاقاة قوات إبراهيم باشا، والتقى مع كتيبة عثمانية مصرية كانت تحت قيادة الضابط علي أزن في ماوية، انهزمت فيها القوات السعودية مما أثر على مستقبلها الحربي من جهة، وصعود نجم إبراهيم باشا وقواته من جهة أخرى.

سار الإمام عبدالله بن سعود إلى الخبراء ثم تركها وتوجه إلى عنيزة حيث عسكر فيها. أما إبراهيم فزحف بقواته صوب بلدة الرس، فوصل إليها في 25 شعبان 1232هـ، 1817م، وحاصرها طويلاً، واستبسل أهلها في الدفاع عنها، وبعد أن أجهدهم الحصار طلبوا من الإمام عبدالله بن سعود منازلة القوات العثمانية المصرية أو أن يأذن لهم بطلب الصلح من إبراهيم باشا. ولما لم يأت عبداللهلله بن سعود من عنيزة لمحاربة قوات إبراهيم ورفع الحصار عن أهل الرس قبل الأهالي والحامية السعودية في البلدة بالصلح، وخرجت الحامية السعودية على أثر ذلك من الرس إلى عنيزة.

زحفت قوات إبراهيم باشا إلى الخبراء فسلمت له البلدة. وغادر الإمام عبدالله عنيزة إلى بريدة. ثم توجه إبراهيم باشا بقواته إلى عنيزة وبعد دفاع أهلها عنها سلّمت المدينة وحاميتها السعودية بعد نفاد مالديها من مؤن وذخيرة. ولما أحسّ الإمام عبداللهلله بعدم جدوى المقاومة رحل من بريدة وتوجه إلى الدرعية للعمل على تحصينها وتقويتها والدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة وبسالة.

واصل إبراهيم باشا زحفه على بلدان نجد الأخرى. ولقيت قواته مقاومة من قبل أهالي بعض البلدان في أقاليم نجد كما هو الحال بالنسبة لمقاومة أهالي شقراء وضرماء. وهناك بلدان استسلمت دون مقاومة تذكر. وتعدّ مقاومة مدينة الدرعية من أقوى وأشد أنواع المقاومة التي تصدت لقوات إبراهيم باشا. فكانت الدرعية بلدًا محصنًا وقلاعها قوية، ولذا فإن مقاومتها ظلت قوية وشديدة ضد قوات إبراهيم باشا. وكانت الدرعية تتألف من خمسة أقسام لكل قسم منها أبوابه وأسواره تتخللها الحصون والأبراج. وكان محيط المدينة يصل إلى حوالي 12كم.

نظم الأهالي في الدرعيّة مقاومتهم ضد قوات إبراهيم باشا. ووزعوا جهودهم القتالية على عدة جبهات، إلاّ أن مدافع الدرعية كانت قليلة وكذلك عتادها إذا ما قورن ذلك بمدافع إبراهيم باشا وعتاده، وهي أمور قدرها إبراهيم باشا من بين نقاط الضعف في الجبهة السعودية. لذا ركز على نشاط مدافعه. فضرب الدرعية بمدافعه عشرة أيام متتالية. وظل إبراهيم باشا يحاول إضعاف صمود المدينة، دون جدوى، ولم يحرز إبراهيم باشا أي تقدم يذكر. وزاد الأمر سوءًا بالنسبة لموقف إبراهيم باشا عندما اشتعلت النيران بمستودع ذخيرته. وحاول السعوديون الاستفادة من هذا الموقف ولكن دون جدوى، خصوصًا بعد وصول إمدادات جديدة إلى قوات إبراهيم باشا. وظل الوضع كذلك مدة خمسة أشهر والمقاومة صامدة والحرب سجال بين قوات الطرفين. وظل السعوديون يدافعون عن مدينتهم بكل صمود وشجاعة وعناد، لكن طول مدة الحصار أدّى إلى قلة المؤن في المدينة، ونقص في العتاد، وانقطاع في الإمدادات. كما أن القائد غصاب العتيبي، أحد قادة الجبهة السعودية، كان قد خرج عن الجماعة، وانضم إلى إبراهيم باشا، مما أضعف الجبهة السعودية وصمودها. وتعدّ وقعة غبيراء من أشهر وقائع معارك الدرعية، إذ بعد تلك الواقعة اضطر عدد كبير من الأهالي إلى رفع الراية البيضاء والاستسلام. وبعد ذلك شن إبراهيم باشا هجومًا مركزًا على جبهات القتال السعودية التي مازالت صامدة، خاصة جبهة الإمام عبداللهلله ابن سعود. وبهذا الهجوم المكثف استطاع إبراهيم باشا أن يضعف الجبهة السعودية تمامًا ممّا اضطر معه الإمام عبدالله ابن سعود إلى طلب الصلح من إبراهيم باشا، واتفقا على شروطه في 9 من ذي القعدة عام 1233هـ، الموافق 10 سبتمبر 1818م، ومن أهم هذه الشروط:

1ـ أن تسلم الدرعيّة لإبراهيم باشا. 2ـ أن يتعهد إبراهيم باشا بأن يبقي على المدينة، وأن لايوقع الضرر بسكانها. 3ـ أن يتعهد الإمام عبدالله بالسفر إلى القاهرة ومن ثم يرسل إلى السلطان العثماني في إسطنبول، وذلك عملاً برغبة السلطان نفسه.

وبالفعل سلم الإمام عبدالله نفسه إلى إبراهيم باشا، فأرسله إلى القاهرة تحت حراسة مشددة في 17 من شهر محرم عام 1233هـ، 1818م. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إبراهيم باشا أخرج الناس من الدرعية، وهدمها بمدافعه، ودمر كل حصونها، وقطع نخيلها تنفيذًا لأمر محمد علي باشا الذي جاءته أوامر سلطانية تملي عليه فعل ذلك.

جاهد أهالي الدرعيّة جهادًا طويلاً ضد القوات العثمانية المصرية، وتحملوا من جراء ذلك ويلات الجوع والعطش والقلق النفسي والمعاناة. وقد تحمل أمراء آل سعود وآل الشيخ العبء الكبير في تحمل مسؤولية المقاومة وقيادتها ومايترتب عليها من نتائج. ويمكن أن نجمل أسباب فشل الإمام عبداللهلله بن سعود في الآتي:

1ـ عدم تكافؤ الجيشين المتحاربين، من حيث العدة والعدد والتخطيط والقيادة الحربية المدربة والمنظمة. 2ـ ضعف الإمكانات المادية وقلة الموارد المالية والاقتصادية للدولة السعودية الأولى وقت الحرب، بينما نجد بالمقابل دعمًا ماديًا ومعنويًا للقوات العثمانية المصرية ليس من ولاية مصر فحسب، وإنما من الدولة العثمانية وبعض ولاياتها العربية. 3ـ حدوث تخلخل في صفوف أتباع الإمام عبدالله ابن سعود ربما كان مبعثها الخوف من عقاب إبراهيم باشا وظلمه. 4ـ انضمام بعض قبائل البادية إلى جانب القوات العثمانية المصرية إما بسبب الخوف من العقاب أو بسبب موقفها من الدولة السعودية الأولى، أو لأسباب خلافات قديمة ومتأصلة، أو لكثرة الأموال التي أغدقها محمد علي على شيوخ القبائل التي تؤيده وتقف معه في الميدان، وتعيره جمالها أو تؤجره إياها لنقل العتاد والمؤن 5-عوامل الضَّغط النفسي والدعاية المنظمة المضادة للجانب السعودي من قبل العثمانيين ومحمد علي وغيرهم خصوصًا الخوف الذي نجم عن الشدة في تطبيق العقاب من قبل المسؤولين في الحملات العسكرية العثمانية المصرية التي جاءت إلى نجد، ومارست في بلدانه أشد أنواع الظلم والشدة والعقاب.

وقد ترتب على سقوط الدرعيّة عدة نتائج من أهمها: 1ـ عمت الفوضى السياسيّة في نجد لسقوط الدولة السعودية الأولى. 2ـ ازداد ضعف اقتصاد البلاد النجدية. 3ـ ازداد نفوذ محمد علي باشا، وازداد ضغطه على السلطان العثماني بسبب انتصاراته التي حققتها قواته ضد القوات السعودية. 4ـ أخذت بريطانيا تركز دعائم نفوذها الاستعماري في ساحل الخليج خصوصًا بعد ظهور قوة محمد علي في المنطقة وتطلعه إلى نشر سيادته على الجزيرة العربية في ظل السيادة العثمانية أو في ظل سيادته المستقلة عن العثمانيين فيما بعد. 5ـ ظهرت مقاومة سعودية جديدة في نجد ضد الحكم العثماني الممثل في سيادة محمد علي باشا، محاولة قيام الدولة السعودية الثانية. 6ـ ظهر تأييد وطني محلي في نجد للأسرة السعودية ساعدها على إعادة بناء الدولة السعودية من جديد. 7ـ تأصل في البلاد النجدية مبدأ كره الحكم الأجنبي، ومايلحق بذلك من أمور تلتصق به. 8ـ ظهور القوى السياسية المحلية في المناطق التي تكونت منها الدولة السعودية الأولى قبل سقوطها.
نظام الحكم والإدارة في الدولة السعودية الأولى النظام السياسي.
قامت الدولة السعودية الأولى على تصحيح العقيدة الإسلامية، وعلى نصرة التوحيد والحق. اشتمل النظام السياسيّ على المناصب العليا التالية:

الإمام يأتي في قمة النظام السياسي في الدولة السعودية الأولى، فهو الرئيس الأعلى للدولة، وصاحب السلطات الفعلية فيها. وهو أعلى منصب في الدولة السعودية الأولى بيده إدارة شؤونها. والإمام السعودي هو المشرف العام على جميع شؤون الدولة، فهو القائد العام للقوات السعودية وبيده إبرام المعاهدات وإعلان الحرب، وجمع النفير العام. وهو المشرف الأول على شؤون الأمن، وتحل عنده أعقد المسائل والخلافات. ويشرف على الشؤون الماليّة كلها، وهو المتصرف الأول والمسؤول عن بيت المال وغيره من الأمور المهمة في السلطة والسيادة. وممّا يقوي مركز الإمام ويدعمه اعتماد الإمام في حكمه على مبادئ الشرع الإسلاميّ الذي لايجرؤ الفرد على مخالفته البتة، وهو في الوقت نفسه يعطي الإمام صلاحيات كاملة في العمل والإشراف مادام ذلك متمشيًا مع أحكام الشريعة الإسلامية ومطبقًا لتعاليمها.

ولي العهد هو منصب من يخلف الإمام في الحكم بعد وفاته. وقد ورد ذكر ولاية العهد في أخبار عام 1202هـ، 1787م في كتاب روضة الأفكار والأفهام
لابن غنام، وكذلك في كتاب عنوان المجد
لابن بشر، فيقول: ¸أمر الشيخ محمد رحمه الله ـ أهل بلدان نجد وغيرهم أن يبايعوا سعود بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وأن يكون ولي العهد بعد أبيه وذلك بأمر عبدالعزيز، فبايعه جميعهم·.

ومن أهم سلطات ولي العهد وواجباته أنه ينوب عن الإمام في القيام بمهمات الدولة أثناء غيابه في حالة الغزو أو المرض أو أي حالة أخرى تستدعي ذلك. وكثيرًا ماكان ولي العهد يباشر مهمات الأمور الحربيّة والإدارية أثناء عهد أبيه وذلك من أجل تدريبه وإعداده لتحمل المسؤولية في المستقبل، ولكي يتعرف على الناس ومشكلاتهم.

أمراء الأقاليم.
كان الإمام يعين أمراء على الأقاليم في دولته يطلق عليهم لقب أمير الإقليم، وذلك لسد الحاجة الإدارية في المناطق بعد أن توسعت الدولة السعودية الأولى، ومنصب الأمير منصب مهم وحساس لأنه من المراكز القيادية في الدولة، وهو ممثل الإمام في الإقليم، والمشرف الأول على إدارته وماليته، والمسؤول عن قيادة الغزو وتجميعه في الإقليم عند إعلان النفير العام. وقد راعى الإمام عند تعيين الحكام أو الأمراء أن يكونوا في الغالب ممن اتصفوا بولائهم للدولة، والتزموا تعاليم الدعوة السلفية الإصلاحية. وكان الإمام في أغلب الأحيان يعين أمراء المناطق من الرؤساء المحليين الذين لهم نفوذ قوي في مناطقهم ومن المحبوبين عند الأهالي، وهو أمر توافر كثيرًا في تعيين أمراء المناطق.

الشورى في الدولة. طبقت الدولة السعودية الأولى مبدأ الشورى في الحكم، وهو أمر جرى عليه أئمة الدولة السعودية الأولى. فكان الإمام يستشير العلماء وأصحاب الرأي في البلاد، وشيوخ القبائل وغيرهم. وتنقسم الشورى إلى قسمين: شورى خاصة، وأخرى عامة.
النظام الحربي.
من الواضح أنه لم يكن للدولة السعودية الأولى جيش سعودي منظم بالمعنى الحديث، وإنما كان لها جيش جهاد ينعقد لواؤه عندما يأمر الإمام بذلك ويعلن النفير العام. وكانت تعبئة جيش الجهاد تتم كالآتي:1ـ يرسل الإمام رجالاً إلى البوادي يدعون للغزو، ويجتمعون في مكان يعينه الإمام. 2ـ يرسل الإمام أوامره إلى أمراء المناطق وحكام الأقاليم ليقوموا بجمع غزوهم والتوجه إلى مكان معلوم يعينه الإمام. 3ـ كان الإمام يغادر الدرعيّة يوم الخميس أو يوم الإثنين متوجهًا إلى مكان تجمع الغزو. 4ـ كان كل غزو يحضر معه طعامه وزاده ورحائله وخيوله من الجياد والنجائب العمانيات.

وكان القتال عادة يبدأ بعد صلاة الفجر، ويبدأ الجميع قتالهم بالتكبير. وكان المقاتلون يجيدون الكر والفر وحرب السيوف وقتال الصحراء وتحمل أهواله. وهم يجيدون القتال التقليدي في أسلوبه وطرقه وأسلحته. وكانوا يحاربون بدافع ديني قوي. ولاتزيد أسلحتهم عن كونها أسلحة بدائية تقليدية مثل البنادق التي تضرب بالفتيل والسيوف والخناجر والسهام والرماح، وأحيانًا بعض المدافع.

وكان الإمام يوزع على جيش الجهاد الغنائم بعد أخذ الخمس منها لبيت المال. فكانت حصة الفارس سهمين، والراجل سهمًا واحدًا. ولاينحل عقد النفير العام إلاّ إذا أصدر الإمام أمرًا بذلك. وكانت توجد حاميات سعودية تدخل في عداد الجند الثابت، وظيفتها حفظ الأمن والنظام في الأقاليم، وكانت تستبدل كل عام.

ولم تكن للدولة السعودية سفن حربية على الرغم من أنها كانت تطل على الخليج. وكانت عند الحاجة تستعين بسفن الغوص التابعة لأهالي الساحل الخليجي، والتي تعمل عادة في صيد الأسماك واللؤلؤ.

وبناءً على نظام الجهادية فإنه أصبح بمقدور الدولة السعودية الأولى أن تجمع أعدادًا كبيرة من الرجال القادرين على الغزو. ويزداد هذا العدد أو يقل بقدر اتساع رقعة الدولة أو انحسارها.
النظام القضائي.
يقوم النظام القضائى في الدولة السعودية الأولى على أحكام القرآن الكريم، والسنة النبوية، واجتهاد السلف الصالح من فقهاء المذاهب الأربعة خصوصًا الحنابلة منهم؛ ومن هنا فإن منصب القاضي من المناصب المهمة في الدولة السعودية الأولى. ويشترط في من يتولى القضاء أن يكون من علماء الشرع الإسلامي الذين لهم علم ودراية طويلة في العلوم الشرعية، كي يستطيع الفصل في المنازعات والخلافات والشكاوي والقضايا التي تعرض عليه. وعليه أن يتصف بالنزاهة والعدل بين المتخاصمين فلا فرق لديه بين رفيع ووضيع، أو غني وفقير.

كانت الدولة السعودية الأولى تنفذ أحكام الشرع في عقوبة الجرائم والمخالفات. وكان القضاة يأخذون بالمذهب الذي يرونه أقرب إلى الصواب حتى وإن خالف مذهب الإمام أحمد بن حنبل.

وبفضل تطبيق أحكام الشرع الإسلامي بكل دقة وعدم تساهل، ساد الأمن ربوع البلاد، وعم الناس شعور عام بأن تنفيذ الحدود أمر لاتهاون فيه، ومن هنا قلت نسبة الجرائم والمخالفات.
النظام المالي.
كان للدولة السعودية الأولى بيت مال يشرف على إدارة الشؤون المالية، من حيث الموارد والصرف.

موارد بيت المال. وتأتي من كافة أًصناف الزكاة مثل زكاة الزروع والثمار ومقدارها العشر أو نصفه، وزكاة النقدين من ذهب وفضة وهي ربع العشر، وزكاة عروض التجارة ومقدارها ربع العشر، بالإضافة إلى زكاة الماشية من البقر والأغنام والإبل. انظر: الزكاة
.

ومن موارد بيت المال الأخرى ماكان يدخل فيه من خمس الغنائم وهي تشكل نسبة جيدة بالنسبة لواردات بيت المال في الدولة السعودية الأولى، إذ أن نسبة خمس الغنائم تأتي في الدرجة الثانية بعد الزكاة من حيث موارد بيت المال. ومن الواضح أن حجم خمس الغنائم يزداد ويقل تبعًا لزيادة الغزوات أو قلتها بناءً على الظروف السياسية والاجتماعية. وجدير بالذكر هنا أن الغزوات في عهد الدولة السعودية كانت كثيرة جدًا.

وقد أورد كتاب لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبدالوهاب
مجمل واردات بيت المال من الزكاة، فوصلت إلى أكثر من مليوني ريال. وقدرها بوركهارت أيضًا بحوالي مليوني ريال.

مصاريف بيت المال. كانت الدولة السعودية الأولى تدفع من موارد الزكاة للفقراء والمساكين ومن شملتهم الآية القرآنية: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ التوبة: 60.

وكانت الدولة السعودية الأولى تخصص مبالغ من مال بيت المال لبناء بيوت الله، وأخرى تصرف على حلقات التعليم التي تعقد في المساجد، وعلى العلماء وطلاب العلم، وأئمة المساجد والمؤذنين. وكانت الدولة تدفع من بيت مالها رواتب القضاة وأمراء المناطق وجند الحاميات السعودية المرابطة في أقاليم الدولة، بالإضافة إلى مخصصات أمراء القوات، الذين يقودون الجيش وقت القتال ويشاركون في العمل الإداري الخاص بشؤون الدولة وأعمالها.

خصصت الدولة مبالغ من المال لمصروفات الضيافة، ولمساعدة المتضررين من جراء النكبات والكوارث التي تحل بالبلدان وتؤثر على أهلها. كما خصصت مبالغ من المال لسد حاجات بعض الأقاليم التي لاتكفي وارداتها لسد حاجتها المالية، بالإضافة إلى المبالغ المالية المخصصة للمشروعات الخيرية والاجتماعية وغيرها.
النظام التعليمي.
كان نظام التعليم وقتذاك نظامًا تقليديًا قديمًا متوارثًا، يقوم في المساجد أو الكتاتيب. وكان التعليم في غالب مناهجه وأسلوبه تعليمًا دينيًا في الدرجة الأولى، بالإضافة إلى اللغة العربية وبعض مبادئ الحساب. وركزت الدراسة الدينية على المذاكرة والاطلاع ودرس كتاب رياض الصالحين، وتفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ومؤلفات الشيخ المجدد المصلح محمد بن عبدالوهاب. وكان الإمام محمد ابن عبدالوهاب وأبناؤه وتلاميذه هم الأساتذة وهم المشرفون على التعليم وكان الأساتذة العلماء يمنحون شهادات علميّة تقليديّة تسمى إجازة عندما يقتنع الشيخ الأستاذ بأن طالبه أتقن الدروس التي طلبها منه. وكانت الدولة السعودية الأولى تكفل التعليم، وتمنح المكافآت للطلاب، وتصرف رواتب للعلماء. وكان التعليم متاحًا لكل من له رغبة في العلم والتعلم والتزود بالعلوم الشرعية وعلوم القرآن والحديث وعلوم اللغة العربية.
الأنشطة الاقتصادية للسكان.
عمل الكثير من السكان في الزراعة التي تكثر عادة في الواحات مثل مناطق: الأحساء، والدواسر، والأفلاج، والخرج، والوشم، وسدير والقصيم وجبل شمر ومناطق الجنوب وغيرها من مناطق الدولة السعودية الأولى المترامية الأطراف. وكانت نسبة السكان الذين يعملون في الزراعة في تلك المناطق نسبة عالية. وهم يزرعون الحنطة والشعير والذرة والسمسم والأرز والخضراوات بأنواعها وأشجار الفواكه والنخيل. وطرق الزراعة عندهم طرق بدائية ويستخدمون المحراث الخشبي الذي تجره الإبل أو البقر وغيرهما. وطرق الري عندهم طرق بدائية أيضًا.

وكان هناك قطاع من السكان يعمل في التجارة المحلية والخارجية. أما التجارة المحلية فهي تعتمد على البيع والشراء الداخلي، يتمثل ذلك في الدكاكين والمحلات التجارية والأسواق التي تنتشر في كل المدن والبلدان. وقد توافرت في الأسواق معظم الحاجيات الضرورية للسكان. أما عن التجارة الخارجية؛ فكان سكان الأحساء ومدن العارض والوشم وسدير والقصيم وشمر والأفلاج والدواسر، يمارسون العمل في التجارة الخارجية، يجوبون بلاد الخارج من أجل التجارة. فتاجروا مع البلاد العربية المجاورة ومع الهند وغيرها، فصدروا الخيول العربية، وجلبوا البضائع والمصنوعات الضرورية مثل: الملابس، والبن والهيل والسكر والقرنفل والفلفل والكركم وغيرها. وهناك طرق تجارية برية وأخرى بحرية. وكان للتجار الكبار وكلاء في البصرة وجدة وصنعاء والبحرين والكويت ودمشق، ودلهي وغيرها.

أما عن الحرف فقد مارس بعض السكان الحرف اليدوية مثل الصياغة والحدادة والنجارة وصناعة الفخار وغيرها من الحرف المحلية لسد حاجة السوق المحليّ منها إلى جانب ا لمنسوجات من الصوف والوبر والأدوات والحصر المصنوعة من سعف النخيل. أما قطاع البادية فيعمل في الرعي ويجوب المراعي كل في ديرته أو في الديار التابعة للقبائل المتحالفة، وظل هذا القطاع السكاني القبلي في حالة من التنقل والترحال طلبًا للعشب والماء، وبحثًا عن البلاد التي تشتري منتجاته، وهم بدورهم يشترون مايحتاجونه منها. ويغلب على مجتمع نجد البداوة لأن غالبية سكانه وقتذاك كانوا من البدو، إذ قدرت نسبة البدو إلى الحضر بنسبة 1:2. أما المناطق الأخرى من الدولة ففيها حضر أكثر؛ لأن معظم سكانها مستقرون ويعملون بالزراعة أو الحرف أو مهن أخرى مثل صيد الأسماك واللؤلؤ والتجارة، وهذا لايمنع أن تكون مثل هذه المناطق غنية بالسكان البدو، لكن نسبة هؤلاء تظل أقل من نسبة السكان الحضر في تلك المناطق.
العلاقات الخارجية للدولة السعودية الأولى
سيطرت الدولة السعودية الأولى على أجزاء واسعة من أراضي الجزيرة العربية، شملت بلاد نجد بكاملها، من نهاية حدود جبل شمرّ في الشمال إلى نهاية حدود الربع الخالي في الجنوب حتى أن طلائع غاراتها وصلت أحيانًا إلى مشارف بلاد حضرموت. كما ضمت مايعرف اليوم بالمنطقة الشرقية أو منطقة الأحساء، وشملت مدينة القطيف ونواحيها، والدمام ونواحيها، والهفوف ومنطقتها. كما شملت كل بلاد قطر. وانضمت إليها مناطق واسعة في الجنوب مثل منطقة عسير السراة وعسير تهامة أو مايعرف بمنطقة المخلاف السليماني، حتى أن نفوذها امتد إلى عدد من البلدان اليمنية الساحلية المطلة على البحر الأحمر. وامتد نفوذها في منطقة الخليج إلى واحات البريمي، ومشيخات الساحل المتصالح، وإلى مناطق متوغلة في سلطنة مسقط وعُمان. ودخلت منطقة الحجاز فترة معينة في الدولة السعودية الأولى، وكذلك البحرين. وامتد نفوذ الدولة السعودية إلى الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية حتى أن غزواتها وصلت مناطق جنوب العراق، وكذلك بعض المناطق الجنوبية التابعة لولاية دمشق، وقد دفعت قبائل المنطقة زكاة للدولة السعودية الأولى دلالة على نوع من التبعية السياسية لتلك الدولة. وبناءً عليه فإن امتداد الدولة السعودية الأولى وحدودها ضمت منطقة شاسعة جدًا من أرض الجزيرة العربية، شملت معظم أراضي الجزيرة العربية، واستطاعت الدولة السعودية الأولى أن تكون دولة مستقلة عن الإدارة العثمانية في تلك المناطق، مطبقة فيها مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب السلفية الإصلاحية.

وكان لابد من قيام نوع من الاتصالات بين الدولة السعودية الأولى والدول العالمية الكبرى ذات النفوذ القوي في منطقة الخليج، ومع دولة فارس ذات الصلة الكبيرة بالوحدات السياسية الخليجية. وقد أدّت العلاقة السياسيّة القائمة بين الدولة السعودية الأولى والوحدات السياسية في الخليج دورًا بارزًا في حدوث نوع من العلاقات أو الاتصالات بين الدولة السعودية الأولى والقوى الدولية، خصوصًا وأن عددًا من الوحدات السياسية الخليجية كانت على عداء تقليدي مع الدولة السعودية الأولى، وكانت في الوقت نفسه تستعين عليها بالدول الكبرى ذات النفوذ في الخليج. وكانت دولة بريطانيا في مقدمة الدول الأوروبية ذات النفوذ الواسع والتأثير الكبير على عدد من الوحدات السياسيّة الخليجية. فقد استعانت سلطنة مسقط وعُمان بدولة بريطانيا، وأحيانًا بدولة فرنسا ضد الغزو السعودي. وفي مناسبات أخرى كانت السلطنة العمانية تطلب العون من دولة فارس ضد الدولة السعودية الأولى، والحال نفسها بالنسبة للبحرين التي كانت تطلب العون من دولة العجم ومن بريطانيا أيضًا.

وقد أثر الصراع القائم بين دول أوروبا وعلى رأسها بريطانيا وبين نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا في حدوث نوع من الاتصالات البريطانية والفرنسية بالدولة السعودية الأولى؛ لأن كلتا الدولتين، البريطانية والفرنسية، كانت ترى ضرورة الاتصال بالقوى السياسية المحلية القوية ذات التأثير في حوادث الخليج، وتأتي الدولة السعودية الأولى في قمة الدول المحلية المعنية بالاهتمام البريطاني والفرنسي. وقد ساهم التشابك المذهبي في مناطق الخليج وما له من سلبيات في إيجاد نوع من العلاقة القائمة بين الدولة السعودية الأولى وبين دولة فارس، وبناءً عليه فإنه لامندوحة من قيام علاقة أو اتصالات بين الدولة السعودية الأولى وبريطانيا وفرنسا ودولة فارس بسبب مجموعة من العوامل التي تضافرت معًا وتسببت في إيجاد أساس لتلك العلاقة.
علاقة الدولة ببريطانيا.
من المسلَّم به أن العلاقة القائمة بين الدولة السعودية الأولى وبريطانيا لم تصل إلى حد مفهوم العلاقات الخارجية بين الدول، تلك العلاقات ذات المفهوم الدبلوماسي الكامل، وإنما ظلت تلك العلاقة مجرد اتصالات محدودة، وفي مناسبات معينة وظروف سياسية خاصة، مثل التحالف القائم بين الدولة السعودية الأولى والقواسم الذين ظلوا في عداء تقليديّ مع كل من حكام سلطنة عُمان ومسقط، وبريطانيا، فقد جر هذا العداء الدولة السعودية الأولى إلى خلافات مع بريطانيا، علمًا بأن بريطانيا كانت لاترغب في التورط في العداء مع السعوديين؛ لأن مثل هذا العداء سيجرها إلى صراع طويل مع أقوى دولة محلية في الجزيرة العربية، ولأن هذا يقودها للتدخل في الشؤون الداخلية للقوى السياسية المحلية، وهو أمر لاترى بريطانيا التورط فيه لأن مصالحها الاستعمارية في المنطقة تتركز على مناطق الساحل وبالتالي فهي تخسر كثيرًا في حالة تدخلها في المناطق الداخلية من الجزيرة العربية.

زادت قناعة بريطانيا بضرورة اتخاذ موقف أكثر مرونة ولينًا تجاه الدولة السعودية الأولى، خصوصًا بعد تعرض مصالحها في الكويت وجنوب العراق للضغط والتأثير السعودي بعد وصول الحملات السعودية إلى تلك المناطق في عهد الدولة السعودية الأولى، علمًا بأن بريطانيا وقتذاك كانت قد نقلت مراكزها التجارية التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية من البصرة إلى الكويت مما يعرض مصالحها التجارية والبريدية للخطر.

تودّد المسؤولون المحليون البريطانيون في شركة الهند الشرقية البريطانية للمسؤولين السعوديين، وحاولوا قدر المستطاع التقرب منهم للمحافظة على سلامة طرق بريد الشركة المارة في المناطق الشمالية الشرقية من حدود الدولة السعودية الأولى أو من مناطق متاخمة لحدودها، وزاد إلحاح بريطانيا على هذا النمط من التقارب بينها وبين الدولة السعودية الأولى عندما زاد خلاف بريطانيا مع المسؤولين العثمانيين في ولاية البصرة.

جاءت بعثة بريطانية برئاسة رينود مساعد الوكيل البريطاني لشركة الهند الشرقية البريطانية في الكويت إلى الدرعية عام 1214هـ، 1799م لإجراء محادثات مع المسؤولين السعوديين، وعلى رأسهم الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود حول إيجاد نوع من العلاقات الوديّة وحسن المعاملة بين بريطانيا والدولة السعودية الأولى، بعد الخلاف القائم بين الطرفين الذي تمخض عن تدخل حرس الوكالة البريطانية في الكويت مع القوات الكويتية في رد هجوم سعوديّ ضد الكويت. وقد أدّى هذا الخلاف بطبيعته إلى تعرض بريد شركة الهند الشرقية البريطانية، المار من البصرة إلى حلب، لاعتداءات القبائل التابعة للدولة السعودية الأولى. وليس حادث الكويت وحده الذي كان يعكر صفو العلاقة بين بريطانيا والدولة السعودية الأولى، إنما كانت هناك مواقف بريطانية مماثلة حين ساعدت بريطانيا حكام سلطنة مسقط، وحكام البحرين في موقفهم المعادي للجانب السعودي، بالإضافة إلى موقفها العدائي الصارم تجاه القواسم المؤيدين للدولة السعودية الأولى، والمجاهدين ضد السيطرة الاستعمارية البريطانية في الخليج.

وقد استقبل المسؤولون السعوديون في الدرعيّة رينود استقبالاً حسنًا يليق بكرم الضيافة العربية. وأجرى رينود محادثات مطولة وموسعة مع الإمام السعودي عبدالعزيز بن محمد وأعضاء حكومته، تركزت على مبدأ تأمين سلامة بريد شركة الهند الشرقية البريطانية. ومن القرائن الواضحة أن بعثة رينود لم تحقق نجاحًا يذكر على الرغم من حرارة الاستقبال الذي قوبل به رئيس البعثة البريطانية في الدرعية. فقد ظل السعوديون يتحسسون كثيرًا مواقف الأجانب النصارى، خصوصًا أولئك الذين لهم أطماع استعمارية في العالم الإسلامي، فكان هذا السبب كفيلاً بفشل مهمة بعثة رينود. وكان السعوديون حريصين كل الحرص على تجنب إقامة علاقة مفتوحة بينهم وبين بريطانيا الدولة النصرانية الاستعمارية، وهو أمر تفرضه عليهم الأسس الدينية والاجتماعية التي قامت عليهما الدولة السعودية الأولى. وممّا يفسر صدق هذا الرأي وصوابه أن بريطانيا كانت على الدوام هي السباقة في مجال الاتصالات بين الدولتين، فظل البريطانيون هم أول من يبدأ الاتصالات مع حكومة الدرعية. فقد وردت إلى الإمام السعودي عدة رسائل رسميّة من المعتمد البريطاني في بوشهر بمناسبة حدوث أمور طارئة في العلاقات بين الدولتين، خصوصًا في مسألة القواسم، وقد اعتمد الموقف البريطاني اللين تجاه حكومة الدرعية على مرتكزات أساس هي: 1ـ كانت بريطانيا تنفذ مخططها أولاً، ثم تلجأ بعد ذلك إلى الأسلوب الدبلوماسي الهادئ، إذ لاداعي للتشدد في الموقف بعد نيل المراد. 2ـ كانت بريطانيا واقعية في تعاملها لأنها تتعامل مع دولة محلية قوية وحدودها واسعة، ولها تأثيرها الكبير في المنطقة. 3ـ كانت بريطانيا تحاول من خلال موقفها اللين تجاه الدولة السعودية الأولى أن تحدّ من التدخل السعودي في مناطق نفوذها في الخليج. 4ـ حاولت بريطانيا أن تجعل نفسها دولة محايدة في المنطقة كي تتمكن من أن تقوم بدور الوسيط الفاعل في الخلافات التي تنشأ بين الوحدات السياسية في المنطقة. 5ـ حاولت بريطانيا أن تكون علاقتها بالدولة السعودية الأولى في الربع الأول من القرن الثالث عشر الهجري، السنوات العشر الأولى من القرن التاسع عشر الميلادي، علاقة ود وسلام، على الرغم من أنها كانت، في الخفاء أحيانًا وبشكل علنيّ أحيانًا أخرى، تساعد القوى المحلية الخليجية المعادية للدولة السعودية الأولى.

ومن الواضح أن الموقف البريطاني تجاه الدولة السعودية الأولى كان نابعًا من مصالحها، ولا يعتمد البتة على مبدأ حسن النية، بل ظلت بريطانيا توجه علاقتها مع الدولة السعودية من خلال منظور مصالحها واحتياجاتها السياسية والدبلوماسية. فموقف بريطانيا من الدولة السعودية اتسم بالخبث والكراهيّة، لأن بريطانيا كانت لاترغب بحال من الأحوال أن ترى دولة محلية قوية تجاورها في الخليج، ولها عرى صداقة وأخوة وجوار مع القوى المحلية الخليجية. وقد اتضح الموقف البريطاني بشكل جلي بعد سقوط الدرعية حين أرسلت بريطانيا الكابتن الإنجليزي سادلر إلى الدرعية ليهنئ إبراهيم باشا على انتصاره العسكري على الدولة السعودية الأولى، ويتضح أيضًا مما ألصقه المسؤولون البريطانيون من تهم وصفات جارحة بالدولة السعودية الأولى من خلال وثائقهم وتقاريرهم الرسميّة عنها.
علاقة الدولة بفرنسا.
لم تكن علاقة فرنسا بالدولة السعودية الأولى واضحة كما هو الحال بالنسبة لوضوح العلاقة بين بريطانيا والدولة السعودية الأولى. وقد بدأت ملامح تلك العلاقة في الظهور بعد حملة نابليون بونابرت على الشرق كجزء من الصراع الفرنسي البريطاني. فقد حاول نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا أن يخطب ود حكام الشرق كي يفيد منهم في دعم موقف فرنسا ضد الأوروبيين، خصوصًا بريطانيا. ومع أن المحاولة الفرنسية كانت حديثة وتميزت بعدم الجدية، إلا إنها تظل فاتحة تطلع فرنسي تجاه القوى المحلية في الجزيرة العربية، خصوصًا القوى المحلية الخليجية. وزاد التطلع الفرنسي للمنطقة في فترة الحروب النابليونية في أوروبا، ومن هنا وجهت فرنسا بعثة فرنسية برئاسة جردان للقيام بنشاط كبير في بلاد فارس ومناطق الخليج ذات الصلة بالطرق البحرية الموصلة إلى الهند، لضرب خطوط المواصلات البريطانية في الشرق كجزء من الموقف الفرنسي المنافس للاستعمار البريطاني في الشرق. وحريّ بنا أن نلحظ أنه ليس بمقدور الفرنسيين وقتذاك أن يفعلوا شيئًا ضد بريطانيا، وباءت محاولاتهم بالفشل.

تذكر بعض الروايات التاريخية أن بعثة فرنسية برئاسة دي لاسكارس كانت قد وصلت إلى الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام سعود بن عبدالعزيز عام 1226هـ، 1811م. وقد تباحثت تلك البعثة مع المسؤولين السعوديين حول قيام علاقات بين فرنسا والدولة السعودية الأولى. وتذكر بعض المصادر أن البعثة الفرنسية كانت قد طلبت من الإمام سعود بن عبدالعزيز أن يقف إلى جانب الفرنسيين ضد الدولة العثمانية، لكي يتمكن نابليون من ضرب النفوذ البريطاني في الشرق، وبالمقابل فإن فرنسا على استعداد لدعم الدولة السعودية الأولى في موقفها المعادي للدولة العثمانية، عن طريق غزو بلاد الشام وضمها إلى الدولة السعودية الأولى. ومعروف أن الإمام سعود بن عبدالعزيز كان معجبًا بعسكرية نابليون وسمعته القتالية. لكن بريطانيا كانت تراقب الموقف عن كثب، فأرسلت بعثة بريطانية إلى الإمام السعوديّ تنصحه بعدم التورط في مساندة الموقف الفرنسي، أو توقيع أي اتفاق مع الحكومة الفرنسية مقابل أن تضغط على السلطان العثماني وتجبره على الاعتراف بالحكم السعودي. وتشير المصادر إلى أن الاتصالات الفرنسية السعودية انتهت بفشل نابليون في حروبه في الجبهة الروسية، والتي عدت بداية سقوطه.

ويجب علينا أن نلحظ هنا أن الواقع التاريخي لايؤكد مثل هذه الادعاءات التاريخية، لأن البعثة المذكورة لم نجد لها ذكرًا في المؤلفات النجدية التي كانت تدون كل شاردة وواردة عن الدولة السعودية الأولى، خصوصًا في عهد الإمام سعود الكبير، كما أن هذه الحادثة لم يرد لها ذكر في كتب التاريخ المعاصرة للحوادث، عربية كانت أو أجنبية، خصوصًا في الوثائق البريطانية، ولذا فإن مثل تلك المعلومات التاريخية تظل معلومات مشكوكًا في صحتها، حتى أن الكاتب الفرنسي المشهور جاك بيزلي يشك في قيام مثل هذه البعثة. ومما يدعم هذا الرأي أن فرنسا لم يكن لها وجود قوي في منطقة الخليج والجزيرة العربية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى