مرحبا بك في الموسوعة نت .. يحتوي موقعنا على اكثر من23750 مقالة يمكن استخدام محرك البحث للبحث عن اي موضوع ..
Exact matches only
Search in title
Search in content
Search in comments
Search in excerpt
Filter by Custom Post Type

جرب: العصور الوسطى, الدائرة الكهربائية, الثورة الصناعية

الدولة السعودية الثانية

الدّولةُ السُّعودية الثّانية

قامت على الأسس نفسها التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى من العمل على تصحيح العقيدة وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. وإذا كانت الدولة السعودية الأولى قد انهارت سياسيًا، إلا إنها في الوقت نفسه تركت في البلاد النجدية مقومات قيام الدولة السعودية الثانية، إذ ظلت مبادئ الدعوة السلفية الإصلاحية ماثلة في أذهان الناس، وظل المجتمع النجدي يكن ولاء واحترامًا للأسرة السعودية التي وحدت البلاد في ظل دولة إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة، ووفرت الأمن والاستقرار والرخاء، وتبنت نشر الدعوة والدفاع عنها وعن أتباعها ضد القوات العثمانية والمصرية. ويأتي على رأس هؤلاء المؤيدين الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأئمة الدعوة من أبنائه وأحفاده، وعلماء البلاد، وكلهم أصحاب نفوذ وتأثير في مجتمعهم لما كانوا يتمتعون به من منزلة دينية وعلمية محترمة ومقدَّرة من قبل الجميع.

وزاد تقرب الناس في نجد من السلطة السعودية، ذات الطابع الديني والوطني والمحلي بسبب ما وصلت إليه أوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية من تَرَدٍ، بالإضافة إلى سوء المعاملة التي عاملهم بها جنود محمد علي باشا أثناء حروبهم في نجد، وبعد انسحابهم منها. فقد عذبت عددًا من العلماء، والأهالي، ودمّرت الدرعية، وضربت أسوارها بالمدافع. وأسر إبراهيم باشا حوالي أربعمائة من العلماء والزعماء والشيوخ، وبخاصة كل من أمسكوا به من آل سعود، وآل الشيخ. وبناءً عليه، فقد عالج كل من محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا المسألة النجدية من زاوية سياسية فقط، واعتقدوا أنه الحل دون النظر إلى القضايا الأخرى في المسألة، تلك القضايا التي ظلت تشكل الحجر الأساسي في قيام الدولة السعودية الثانية. ومن أكبر أخطاء الدولة العثمانية وواليها محمد علي باشا أنهم ظلوا يقدرون الأمور والمسائل الشائكة وعلاجها من منطلق مفهوم سياسي فقط.

مقومات قيام الدولة السعودية الثانية جهود الأمير مشاري بن سعود آل سعود.
حاول محمد بن مشاري بن معمّر أن يسد الفراغ السياسي الذي أحدثه رحيل إبراهيم باشا عن الدرعية والأراضي النجدية الأخرى فيما بعد. وقد راودت ابن معمّر فكرة بناء وحدة سياسية في نجد تكون بزعامته وزعامة أسرته، وهو لا يمانع من أن يدين بولائه للدولة العثمانية ممثلة في سيادة محمد علي باشا. إلا أن محاولة ابن معمّر فشلت لا بسبب عجزه، وإنما بسبب ظهور الأمير السعودي مشاري بن سعود الكبير، أخي الإمام عبد الله بن سعود، آخر أئمة الدولة السعودية الأولى، وهو مطالِب شرعي بالحكم في نجد وغيرها من مناطق الجزيرة العربية التي كانت تحت السيادة السعودية في عهد الدولة السعودية الأولى. فقد هرب الأمير مشاري بن سعود الكبير من حراسه أثناء توجه قافلة الأسرى السعوديين من المدينة المنورة إلى ينبع. فعاد إلى نجد، ووصل الوشم وجمع الأنصار والأعوان من مؤيدي آل سعود وتوجه بهم إلى الدرعية، فتنازل له محمد ابن مشاري بن معمَّر عن الحكم لكنه ظل يبطن غير ما يظهر، مستخدمًا أسلوب اللين ثُمّ عاود الدهاء في التعامل مع الأمير السعودي مشاري بن سعود الذي أيده الناس وبايعوه على الحكم.

بعد فترة قصيرة خرج ابن معمّر من الدرعية وتوجه إلى بلدة سدوس بحجة زيارة أقاربه فيها، لكنه أخذ يجمع الأنصار وشكل منهم قوات تدعمه وتمكنه من السيطرة على الحكم في الدرعية، وهو أمر ظل يراوده كثيرًا. وقد استمال إلى جانبه الشيخ فيصل الدويش، شيخ قبيلة مطير الذي أرسل إليه عددًا من أتباع قبيلته، وقد تمكن محمد بن مشاري بن معمر من الهجوم على الدرعية ولم يتمكن مشاري بن سعود من الدفاع عنها، فألقى ابن معمّر القبض عليه، وزجّ به في السجن، ثم أرسله بعد ذلك إلى سدوس. ثم تقدم ابن معمر إلى الرياض ودخلها بعد أن كان الأمير تركي بن عبد الله قد خرج منها عندما سمع بقدوم ابن معمّر وقواته إليها. وهكذا تمكن ابن معمّر من انتزاع الحكم من الأمير مشاري بن سعود، مصممًا على مد نفوذه في ربوع نجد. وأرسل ابن معمّر إلى القيادة العثمانية المصرية أخبار ما حدث، معلنًا ولاءه لتلك القيادة، وهي أعمال تُعدّ موافقة لمصالح الدولة العثمانية في المنطقة.

أما عن مصير الأمير مشاري بن سعود الموجود في السجن في سدوس، فقد سلمه جماعة ابن معمّر إلى قيادة القوات العثمانية المصرية المرابطة في سدوس، وقد أرسلته تلك القيادة بدورها إلى قيادة القوات العثمانية المصرية في عنيزة، وهناك وُضع في السجن ومات فيه عام 1236هـ،1820م. وتُعدّ محاولة الأمير مشاري بن سعود في سبيل إعادة مجد أسرته السياسي والاجتماعي محاولة سعودية أولى جادة هدفها إعادة بناء الدولة السعودية في دورها الثاني، إلا أن محاولته هذه جُوبِهت بحركة محلية مضادة هدفها هي الأخرى بناء وحدة سياسية محلية تابعة للدولة العثمانية تكون بزعامة أسرة آل معمّر، أمراء العيينة قبل قيام الدولة السعودية الأولى. وقد رأى العثمانيون تدعيم تلك القوة المحلية، ما دامت تدور في فلكهم وتحت لوائهم. وعليه فإن ظهور زعامة الأمير مشاري بن سعود كانت قد تزامنت مع تحديات القوى النجدية المحلية غير القوة السعودية في منطقة نجد، وتزايد قوة القوى المحلية الأخرى خارج نجد، وهي أمور أعاقت نجاح حركة مشاري ابن سعود، بالإضافة إلى عداوة الدولة العثمانية لآل سعود وأتباعهم.
جهود الأمير تركي بن عبد الله آل سعود.
ظهر الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود على مسرح الأحداث السياسية في بلاد نجد في عهد إمارة محمد بن مشاري بن معمّر الذي كوّن إمارة قصيرة العهد في الدرعية وما حولها من بلدان مثل الرياض. وكان ذلك في أعقاب رحيل إبراهيم باشا عن الدرعية. وحاول ابن معمّر بذلك أن يكوّن إمارة نجدية محلية تحت زعامة أسرة آل معمّر، وتابعة للعثمانيين وواليهم محمد علي باشا.

وتبين الروايات التاريخية النجدية أن تركي بن عبد الله أيد ابن معمر وسانده ودعمه يوم أن ظهر في الدرعية بعد رحيل إبراهيم باشا عنها. ولكن موقف تركي وولاءه لابن معمّر قد تغير تمامًا بعد ما غدر بابن عمه مشاري بن سعود.

دأب الأمير تركي بن عبد الله في فترتي حكمه على إعادة تكوين الدولة السعودية بعد انهيارها على يد إبراهيم باشا. ففاجأ محمد بن مشاري بن معمّر في الدرعية وألقى عليه القبض، وتولَّى الحكم فيها، وأيده سكانها. ثم هاجم الرياض ودخلها وألقى القبض على مشاري بن محمد بن معمّر،. وبهذا يكون الأمير تركي بن عبد الله قد سيطر على مقاليد الحكم بعد أن أزاح من طريقه قوة محلية نجدية منافسة هي قوة آل معمّر ونفوذهم في المنطقة. وقرر تركي ابن عبد الله أن يتخذ من الرياض عاصمة له عوضًا عن الدرعية التي تحطمت فيها كل وسائل الدفاع عنها مثل القلاع والحصون والأسوار وما إلى ذلك. وقد اشترط تركي على محمد بن مشاري بن معمّر وابنه مشاري أن يعملا على إطلاق سراح ابن عمه مشاري، وإلا قتلهما. ولما كان أتباع ابن معمر قد سلموا مشاري بن سعود إلى خليل آغا القائد العثماني في بلدة سدوس، وهو بدوره نقله إلى القيادة العثمانية في عنيزة، ومات هناك في السجن، لذا نفذ تركي بن عبد الله فيهما حكم القتل عام 1236هـ، 1820م.

هاجم فيصل الدويش رئيس قبيلة مطير، ومعه عدد من القوات العثمانية المرابطة في عنيزة الرياض، لكن تركي بن عبد الله وقواته المرابطة داخل المدينة، صدوا الهجوم، وصمدوا في وجه حصار قوات فيصل الدويش للرياض، مما اضطر معه فيصل الدويش إلى رفع الحصار عن الرياض والرحيل عنها، متوجهًا بقواته صوب منطقة الوشم لإعداد حملة قوية يكون بإمكانها السيطرة على الرياض، معتمدًا بذلك على القوات العثمانية التي وصلت إلى نجد تحت قيادة القائد العثماني حسين بك، والتي أرسلها محمد علي وابنه إبراهيم باشا إلى نجد لتقويض دعائم السلطة السعودية التي ظهرت من جديد محاولة إعادة تأسيس الكيان السعودي في دوره الثاني.

وصلت القوات العثمانية المصرية إلى منطقة الوشم برئاسة حسين بك، وفي الوشم انتدب حسين بك أحد ضباطه عبوش آغا (آبوش آغا) للتوجه صوب الرياض من أجل احتلالها والقضاء على حكم تركي بن عبد الله، وترتيب الأوضاع الأمنية والإدارية في المنطقة.

اضطر تركي بن عبد الله أن يخرج سرًا من الرياض بعد حصار عبوش آغا وقواته لها، متوجهًا إلى بلدان جنوب الرياض. وبعد أن احتل عبوش آغا بلدة الرياض وصل حسين بك إليها وأمّر فيها ناصر بن حمد العائذي وعند رحيله من نجد ترك حاميات من العسكر في أمهات مدن نجد وفتك بمن يظن بهم مقاومة العثمانيين، وعمل في القرى قريبًا مما عمله إبراهيم باشا فعمت الفتن والحروب، وضربت الفوضى اطنابها من جديد، فقتل رئيس حامية الرياض إبراهيم كاشف وأميرها ناصر بن حمد العائذي. ومهدت هذه الأحداث لظهور تركي مرة أخرى حيث قدم في رمضان عام 1238هـ، 1822م من بلدة الحلوة لاستئناف الكفاح من جديد لاستعادة ملك أبائه، واتخذ من بلدة عرقة مركزًا لعملياته الحربية ضد المحتلين.

هاجم تركي وقواته التي جمعها من البلدان النجدية القوات العثمانية المصرية الموجودة في منفوحة والرياض. واستطاع في أول الأمر أن يقضي على مقاومة جند الدولة العثمانية في بلدة منفوحة في أواخر عام 1239هـ، 1824م، ويكون بذلك قد قضى على معقل من معاقل القوات العثمانية المصرية في منطقة العارض.

وفي مطلع عام 1240هـ، 1824م، توجه تركي بقواته من منفوحة إلى الرياض، فحاصرها حوالي شهر، لكن جندها من العثمانيين والمصريين صمدوا في وجه الحصار إلى أن وصلتهم قوات نجدة بقيادة فيصل الدويش الذي ظل يؤيد محمد علي وقواته، وتمكن فيصل الدويش من فك الحصار عن الرياض، وانسحب تركي إلى بلدة عرقة. ولما رحل فيصل الدويش مع قواته عاود تركي الهجوم على الرياض، وحاصرها حصارًا شديدًا، فاضطر القائد العثماني أبو علي المغربي إلى طلب الصلح في مطلع عام 1240هـ،1824م فقبل الأمير تركي ذلك شريطة أن يخرج مع قواته من الرياض ويرحل بهم إلى خارج نجد، علمًا بأن القوات العثمانية المصرية كانت عادة تأتي من منطقة الحجاز، وعندما ترحل عن نجد تتوجه إلى الحجاز أيضًا.

وهكذا تمكن تركي بن عبد الله من دخول الرياض، وبايعه الناس إمامًا عليهم. ونشط هذا الإمام في إتمام مشروعه الكبير الرامي إلى توحيد البلاد النجدية تحت حكمه، ثم إعادة المناطق التي كانت تابعة للدولة السعودية الأولى وتوحيدها مع البلاد النجدية في إطار دولة واحدة تعيد أمجاد الدولة السعودية الأولى. وساعدت حركات أهالي نجد ضد القوات العثمانية المصرية، وعندما أجبرته على الرحيل من بلدان نجد، ساعدت على إنجاح مشروع الإمام تركي بن عبدالله. ونال الإمام تركي بن عبد الله تأييد معظم زعماء نجد وعارض مشروعه عدد قليل منهم، مما اضطر الإمام تركي ابن عبد الله إلى استخدام القوة العسكرية لإخضاعهم لسيادته، وسيادة الدولة السعودية.

وبفضل جهود الإمام تركي بن عبد الله، وبفضل ما لقيه من دعم وعون من أهالي نجد، تمكن هذا الإمام من توحيد جميع نجد في أواخر عام 1243هـ، 1828م. وتابع الإمام جهوده محاولاً استعادة المناطق التي كانت تابعة لدولة أجداده غير إقليم نجد. فاستطاع ضم منطقة الأحساء بكاملها، وضم أجزاء واسعة من أرض سلطنة عمان، وأيده سكان البادية ودفعوا له الزكاة، دلالة على التبعية لحكمه وسيادته. وبذلك استطاع الإمام تركي بن عبد الله أن يقيم الحكم السعودي الجديد، وينشر الأمن والاستقرار في ربوع البلاد. وقد ساعده ابنه فيصل بن تركي في إنجاح مشروعه الكبير عندما كان يقود القوات السعودية ضد المعارضين والمتمردين على حكم أبيه، وعندما كان يتولى شؤون الحكم والإدارة أثناء غياب والده، وبذلك يكون فيصل بن تركي قد ساعد أباه تركي ابن عبد الله في بناء صرح الكيان السعودي الجديد الذي ورث الدولة السعودية الأولى. وبفضل سياسة الإمام تركي ابن عبد الله الواعية، وحكمته وتجربته الإدارية والحربية وشجاعته وعدله، دخلت البلاد في عهد جديد من الأمن والاستقرار.

وكانت نهاية الإمام تركي بن عبد الله آل سعود مفجعة حقًا عندما قُتل في مؤامرة أواخر ذي الحجة عام 1249هـ، 1834م، دبرها ابن اخته الأمير مشاري بن عبد الرحمن آل سعود، وبعد وفاة الإمام تركي بن عبد الله أعلن مشاري بن عبد الرحمن آل سعود نفسه أميرًا على الرياض، ولكنه لم يتمتع بهذا الحكم أكثر من أربعين يومًا فقط، تمكن بعدها فيصل بن تركي بن عبد الله من استرداد الحكم.

وبهذا يكون تركي بن عبد الله قد حكم فترتين دامت الأولى من عام 1235ـ 1236هـ، 1819 ـ 1820م، والأخرى من عام 1238 ـ 1249 هـ، 1822 ـ 1834م.
جهود فيصل بن تركي آل سعود.
كان فيصل بن تركي من بين الأسرى السعوديين الذين رحلهم إبراهيم باشا إلى القاهرة بعد احتلاله الدرعية والقضاء على الدولة السعودية الأولى عام 1233هـ، 1818م. وظل في القاهرة حتى تمكن من العودة إلى نجد ليساعد والده تركي ابن عبد الله آل سعود في بناء الدولة السعودية التي كان يحاول تركي تأسيسها من جديد بعد رحيل إبراهيم باشا وقواته عن الدرعية وغيرها من بلدان نجد. وبالفعل، فإن فيصل بن تركي أصبح الساعد الأيمن لوالده.

كان فيصل، في الوقت الذي قُتل فيه والده تركي بن عبدالله، في المنطقة الشرقية، يعمل على توطيد الحكم هناك، وتنظيم إدارة المنطقة. وفي القطيف، اجتمع فيصل بمستشاريه وأعوانه مثل عبد الله بن رشيد، وعمر بن عفيصان، وقرر الجميع إرسال بعض القوات السعودية الموجودة في المنطقة الشرقية إلى الرياض للقضاء على حركة التمرد التي قادها مشاري بن عبد الرحمن ضد حكم تركي بن عبد الله آل سعود.

تمكن فيصل بن تركي من القضاء على مشاري بن عبد الرحمن آل سعود الذي وَليَ حكم الرياض بالقوة فترة لا تزيد على أربعين يومًا، وهكذا استطاع فيصل بن تركي أن يتسلم مقاليد الحكم، وبايعه الأهالي، وبدأت بذلك فترة حكم الإمام فيصل بن تركي المرة الأولى. واستطاع فيصل أن يعيد الاستقرار ويدعم الأمن في أرجاء البلاد السعودية التي كانت تابعة لحكم والده تركي. فوطد الأمن في ربوع نجد، والمنطقة الشرقية، بالإضافة إلى توطيد دعائم الحكم السعودي في مناطق من عُمان ومناطق الساحل العماني، ولقي تأييدًا كبيرًا في منطقة عسير وبذل فيصل أقصى جهده من أجل تثبيت دعائم الحكم السعودي في تلك المناطق.
فيصل يصطدم بأطماع محمد علي.
اصطدم مشروع فيصل بن تركي ومحاولاته من أجل بناء الدولة السعودية الثانية، وتركيز دعائمها، بأطماع محمد علي باشا وخططه التوسعية على حساب أملاك الدولة العثمانية في ولاياتها العربية. فثار محمد علي على الدولة العلية العثمانية، ودخل معها في حروب طويلة، وانتصر على قواتها، وضم إلى حكمه ولايات عثمانية عربية غير ولاية مصر. وقرر محمد علي باشا أن يثبت دعائم مشروعه الكبير الواسع في السيطرة على الجزيرة العربية التي كانت ضمن مشروعه هذا. وهنا كان لا بد أن تصطدم أطماع محمد علي باشا مع القوى المحلية في الجزيرة العربية وعلى رأسها القوة السعودية التي يقودها الإمام فيصل بن تركي، إذ أن فترة حكم الإمام تركي في المرة الأولى كانت قد تزامنت مع قيام محمد علي باشا بحركته الانفصالية ضد العثمانيين، وأهدافه ومشروعاته التوسعية في أجزاء من البلاد العربية التابعة لحكم الدولة العثمانية.

أرسل محمد علي باشا حملة عسكرية قوية على نجد بقيادة إسماعيل بك، ورافقه فيها الأمير السعودي خالد بن سعود الكبير، أخو الأمام عبد الله بن سعود الكبير، آخر حكام الدولة السعودية الأولى. ونلحظ هنا أن محمد علي باشا حرص كل الحرص على أن تكون حملاته الجديدة على نجد وغيرها، حملات قوية ومنظمة إلى حد ما لكي توازي أطماعه التوسعية الرامية إلى إقامة دولة عربية واسعة تحت زعامته، تكون الجزيرة العربية ضمن حدودها لأن فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة من جهة، ولأنها تساعده على نشر سلطته وسيادته على مناطق الخليج، وتوصله إلى مناطق العراق من جهة أخرى.

وكان محمد علي باشا قد أرسل مع الحملة المذكورة الأمير السعودي خالد بن سعود، وأنعم عليه برتبة قائمقامية الشق الثاني من ديوانه، ليكون سلطة اسمية فقط، أما السلطة الفعلية فهي بيد محمد علي باشا. وقد أراد محمد علي باشا من وراء ذلك أن يقنع الأهالي في نجد بأن السلطة الجديدة ما هي إلا سلطة محلية وطنية، وعن طريقها يمكنه فرض سيادته وسلطته على البلاد النجدية.
رحيل فيصل بن تركي إلى القاهرة.
وعلى الرغم من محاولة الإمام فيصل بن تركي الجادة لوقف الزحف العسكري المصري الممثل بزعامة محمد علي باشا، لكنه فشل في نهاية الأمر تحت ضغط القوات المصرية التي دعمها محمد علي باشا وقواها عندما ساندها بحملة عسكرية أخرى تحت قيادة القائد العسكري المحنك خورشيد باشا. واضطر الإمام فيصل بن تركي بعد مقاومة أبداها ضد القوات المصرية إلى الاستسلام، والذهاب إلى القاهرة منفيًا على شرط أن يؤمن خورشيد أتباع فيصل على أرواحهم وأموالهم. وكان استسلام الإمام فيصل بن تركي في العشر الأواخر من شهر رمضان عام 1254هـ، ديسمبر عام 1838م. وهكذا ضاع الجهد السعودي كله، وسيطرت قوات محمد علي باشا على البلاد، وانتهى حكم فيصل بن تركي في فترته الأولى التي امتدت من عام 1250 ـ 1254هـ، 1834 ـ 1838م.

عُرف فيصل بن تركي بحنكته وحكمته، وسار في حكم البلاد سيرًا حميدًا وموفقًا، وقد أيده الناس، وعدّوه رمزًا وطنيًا دافع عن استقلال بلادهم، وحرص على تثبيت دعائم الحكم السعودي الوطني المحلي، وهو أمر أيده الكثيرون في البلاد النجدية.

كذلك فإن الإمام فيصل بن تركي كان يتمتع بشخصية محبوبة، وكانت له تجارب كبيرة في المجالات الحربية والسياسية والإدارية. وظل يقود المقاومة ضد حكم محمد علي في نجد خاصة والجزيرة العربية عامة بكل إصرار وعناد، مما أكسبه شعبية كبيرة بين أهالي نجد وغيرها من الأقاليم الأخرى في الجزيرة العربية.
الدول الأوروبية تحاصر أطماع محمد علي.
وباستسلام الإمام فيصل بن تركي لخورشيد باشا، بدأ النفوذ المصري المتمثل بسيادة محمد علي باشا في الانتشار والامتداد باتجاه المناطق الساحلية الشرقية من الجزيرة العربية، مدعيًا أن نفوذه السياسي والعسكري هو خليفة للنفوذ السعودي. وهو أمر أخذت أوروبا تتخوف منه، وراودها الشك عندما علمت بمشروعات محمد علي باشا التوسعية، فبدأت تعمل بالتعاون مع أعدائه على وقف نشاطه التوسعي والعمل على تقليم أظافره، وتحديد دائرة نفوذه في ولاية مصر فقط. وهو أمر نفذته بريطانيا مع غيرها في معاهدة لندن عام 1256هـ،1840م، واضطرته إلى سحب جميع قواته من كل الولايات العثمانية التي احتلها أثناء حركة انفصاله، فسحب قواته من الجزيرة العربية وبلاد الشام. وأبقى خورشيد باشا الأمير خالد بن سعود على حكم البلاد النجدية تاركًا معه عددًا قليلاً من الحاميات العسكرية المصرية بعد أن وصلت الأوامر من محمد علي باشا إلى خورشيد باشا بالتوجه فورًا إلى مصر مع معظم قواته، باستثناء عدد قليل من الجنود الاحتياطيين الذين بقوا في نجد تحت إشراف الأمير خالد بن سعود من أجل حمايته ودعمه. وبانسحاب خورشيد باشا وجنده، انتهى حكم محمد علي باشا المباشر في الجزيرة العربية عامة، ونجد خاصة، وتسلم خالد ابن سعود الحكم في نجد.

لم يمكث خالد بن سعود في حكم نجد وقتًا طويلاً لأن الأهالي في نجد عدّوه صنيعة محمد علي باشا، وآلته التي استخدمها من أجل تركيز نفوذه في البلاد. كما أن حكم خالد بن سعود اختلف في نمطه وأسلوبه ونهجه عن أسلوب الحكم السعودي المتعارف عليه في البلاد. لذا لم يلق تأييد الأهالي، بل نفروا منه، وأيدوا بالفعل الأمير السعودي عبد الله بن ثنيان الذي رفع علم المقاومة ضد حكم خالد بن سعود، وانتهى الأمر بفرار خالد وتسلم عبد الله بن ثنيان الحكم في نجد. واستطاع ابن ثنيان أن يسيطر على الأمور ليس في نجد فقط، وإنما بسط نفوذه على كل المناطق التي كانت تابعة للسيادة السعودية في عهد الإمامين، تركي بن عبد الله، وابنه فيصل بن تركي آل سعود. ودام حكم عبد الله بن ثنيان فترة عامين فقط، تمكن فيهما من تثبيت السيادة الوطنية السعودية، وإخراج كل القوات العسكرية الموالية لمحمد علي باشا، والتي ظلت في البلاد النجدية لدعم نظام خالد بن سعود الموالي لحكم محمد علي باشا. وانتهى حكم عبد الله بن ثنيان في منتصف شهر جمادى الآخرة عام 1259هـ، 1843م. واتصف حكم عبد الله بن ثنيان بالقوة والشدة وكثرة الإجراءات التأديبية، مما سبب نقمة عليه من جانب عدد كبير من الأهالي، ومهد السبيل لنجاح فيصل بن تركي آل سعود وتغلبه على ابن ثنيان.
عودة فيصل بن تركي من مصر.
عاد فيصل بن تركي من منفاه في القاهرة إلى نجد بعد توقيع معاهدة لندن عام 1256هـ، 1840م، ويرجح أن تكون السلطات المصرية هي التي أمرت بإطلاق سراحه بعد تغير الظروف العامة والدولية، خاصة بالنسبة لمشروعات محمد علي باشا وتوسعاته. ولا يُستبعد أن تكون السلطة في مصر هي التي دبرت خروجه من القاهرة وهيأت له سبل ذلك. وتُشير بعض الروايات التاريخية إلى أن عباس الأول حفيد محمد علي باشا هو الذي دبر أمر خروجه من السجن لأنه كان معجبًا بذكائه ونضج عقله وتديّنه. وعباس باشا كان من مساعدي محمد علي باشا، ومن المقربين منه، فأشار على جده أن يطلق سراحه فوافق جده على هذا الرأي. ونلحظ أن زمن خروج فيصل بن تركي من السجن يتوافق زمنيًا مع فترة حكم محمد علي باشا الذي ظل في السلطة حتى عام 1264هـ، 1847م، إذ بعد هذا التاريخ تدهورت صحة الباشا، وأصيب بضعف في قواه العقلية، فعُزل عن الحكم وتولى الحكم من بعده إبراهيم باشا.

نرجح هذه الرواية لأنها تنتظم مع الأحداث المعاصرة لمسألة الخروج من السجن. فيرجح أن محمد علي باشا أراد أن يخرج فيصل بن تركي من سجنه لينتقم من ابن ثنيان الذي ثار على خالد بن سعود في نجد الموالي لسيادة محمد علي، كما أن ابن ثنيان كان قد أخرج كل الحاميات المصرية الاحتياطية المتبقية في نجد تحت زعامة خالد بن سعود. وكان محمد علي باشا يعلم علم اليقين أن عودة فيصل بن تركي إلى نجد واستعادة السيادة فيه وفي غيره من الأقاليم الأخرى من الجزيرة العربية مكسب لولاية مصر وحكامها لأنه سيحافظ على العلاقات الودية معها. وبالفعل، فإن فيصل بن تركي ظل طوال فترة حكمه محافظًا على الصداقة وطابع الود والصفاء مع السلطة في مصر.
فيصل بن تركي وبناء الدولة السعودية المستقرة
وصل فيصل بن تركي جبل شمَّر، وأقام مدة قصيرة في حائل عند صديقه الحميم عبد الله بن رشيد، أمير جبل شمر. وأثناء إقامة فيصل بن تركي في حائل، أخذ يراسل حكام مناطق نجد، وأمراء بلدانها، وشيوخ القبائل طالبًا منهم الدعم والعون والتأييد ضد عبد الله بن ثنيان الذي حكم البلاد بعد فشل خالد بن سعود في المحافظة على سلطته بعد رحيل القوات المصرية عن البلاد من جهة، وقيام حركة ابن ثنيان من جهة أخرى.

كان فيصل بن تركي محبوبًا في بلدان نجد، وكان في نظرهم الزعيم السعودي الذي يستحق المبايعة والدعم؛ لما له من مواقف وبطولات سجلها في مقاومة حكم محمد علي باشا، فعدّوه بطلاً وطنيًا محليًا يعبر عن استقلالهم وحريتهم. فأطاعه معظم أهالي القصيم وغيرها من مناطق نجد، ودعموه وساعدوه، مما أضعف معه مقاومة ابن ثنيان الذي أصر على مخاصمة فيصل وحربه أملاً في البقاء في الحكم. انتصر فيصل بن تركي على خصمه ابن ثنيان، ودخل الرياض، وحاصر ابن ثنيان في قصر الحكم، وعلى الرغم من محاولة ابن ثنيان الهرب لكن أتباع فيصل قبضوا عليه وسلموه إلى فيصل بن تركي فوضعه في السجن، ومات فيه بعد حوالي شهر من سجنه.

ويصف بيلي حكم الإمام فيصل بن تركي بقوله: ( إن جميع الأطراف الشرقية اعترفت بعدالة حكم الإمام فيصل ابن تركي وشدته، وأنّ حكمه لم يسبق له مثيل في النجاح، فقد كبح جماح القبائل، ونشر بينهم عادات المتحضرين، ووجَّه أفكارهم نحو الزراعة والتجارة).

تُعدّ الفترة الثانية من حكم الإمام فيصل بن تركي من عام 1259 ـ 1282هـ، 1843 ـ 1865م فترة تكوين الدولة السعودية الثانية وبنائها على أساس قوي وفي جو سياسي واجتماعي واقتصادي مستقر. وحكم فيصل بن تركي في هذه المرة حكمًا طويلاً مستمرًا بلغ حوالي 23 سنة، أخمد فيها حركات التمرد وما كانت تنتاب البلاد من قلاقل واضطرابات وحروب، وكانت فترة حكم الإمام فيصل بن تركي في المرة الثانية ـ بحق ـ فترة سلام نسبي.

حاول الإمام فيصل بن تركي أثناء فترة حكمه الآخرة تكوين علاقة ودية مع الدولة العثمانية، ونجح في ذلك إلى حد ما مما جنبه الدخول في مشكلات معها، وأمِن تدخلها في شؤونه، حتى بدأت الدولة العثمانية سياسة تقوية قبضتها على البلاد العربية، ودب النزاع بين أبناء الإمام، فعاودت الدولة تدخلها باحتلال مدحت باشا الأحساء عام 1288هـ، 1871م على نحو ما سيأتي تفصيله. كما أقام الإمام فيصل بن تركي علاقة حسنة مع الحكومة المصرية، وساد جو من الهدوء والسلام مع القوى المحلية المحيطة بدولته. ونظم شؤون دولته في المجالات: الإدارية والاقتصادية والقضائية، وثبّت الحكم السعودي على أساس قوي وفي جو سياسي مستقر، وأرسى قواعد الأمن والاستقرار، وقوّى من شأن الرياض عاصمة الدولة السعودية، وفرض طاعته واحترامه على الجميع. وقد وافته منيته في الرياض في شهر رجب عام 1282هـ، 1865م، وبموته تكون الدولة السعودية الثانية قد فقدت أكبر حكامها. وقد خلفه في الحكم أكبر أولاده وهو عبد الله بن فيصل بعد أن بايعه الأهالي إمامًا عليهم.
ضعف الدولة السعودية الثانية
كان الأمير عبدالله بن فيصل أكبر إخوته ، والساعد الأيمن لوالده، الإمام فيصل بن تركي، في قيادة المعارك وإدارة شؤون البلاد. ولهذا اختاره وليًا لعهده. ولما توفي الإمام فيصل، سنة 1282هـ، 1865م، بويع ابنه، عبد الله، بالإمامة. لكن لم تمض سنة من حكمه إلا وقد اختلف معه أخوه الأمير سعود، وخرج من الرياض مغاضبًا له. واحتدم الخلاف بين الأخوين حتى أدى إلى نشوب معارك بين الأمير سعود ومن انضم إليه من فئات قبلية وبين قوات الإمام عبدالله. وكان من أهم تلك المعارك:

معركة المعتلى.
عام 1283هـ، 1867م وهي من المعارك الضارية، فقد قتل فيها عدد كبير من الطرفين وخاصة أتباع سعود، وجرح سعود جروحًا بليغة، وأصيب في إحدى يديه، فلجأ إلى إحدى القبائل، وبقي عندها للتداوي حتى برئت جراحه.

معركة جودة.
لم يكتف المغرضون بما انتهت إليه معركة المعتلى من نتائج وصاروا يحرضون الأمير سعودًا على معاودة الكرة، فأعد جيشًا كثيفًا جمعه من القبائل الموالية له، والتقى هذا الجيش بقوات الإمام عبدالله الفيصل على ماء (جودة) عام 1287هـ، 1870م ودارت بين الجيشين معركة شرسة تعد من المعارك الفاصلة في تاريخ هذا النزاع، وهزمت قوات الإمام عبدالله واستولى سعود على الأحساء، ثم واصل نشاطه العسكري واستولى على الرياض عام 1288هـ، إبريل 1871م.

وقعة البرَّة.
لما علم الإمام عبدالله الفيصل بهزيمة جيشه واستـيلاء أخـيه على الأحـساء والمنطـقة الشرقية، توقع أن يواصل سعود زحفه على الريـاض، فقرر مغادرتها درءًا للشر، ولكي يجنب الرياض وأهلـها حربًا غشومًا وقودها الرجال والمال، فخرج بما بقي معه من قوة وثروة، وفي الطريق التقـت قواته بجيش أخيه سعود في البرة في جمادى الأولى عام 1288هـ، يوليو 1871م، وحلـت الهزيمة بقوته ـ في معركة غير متكافئة ـ فـهام على وجهه يطلب العون من أهل نجد فلم يجبه أحد. وعندما فقد الأمل استجار بالأتراك العثمانيين في العراق (فكان كالمستجير من الرمضـاء بالنار) فأعد (مدحت باشا) جيشًا من الجنود النظاميين تسـانده بعض القبـائل فانتزعوا الأحساء من إمارة سعـود واحـتلوها وأطلـقوا عليها اسم (ولاية نجد).

توفي الإمام سعود في ذي الحجة عام 1291هـ، يناير 1875م وبايع أهل الرياض الإمام عبدالرحمن بن فيصل، لأنه كان موجودًا في الرياض، فلما عاد أخوه عبدالله عام 1293هـ تنازل له عن الإمامة. لكن أبناء أخيه سعود خرجوا عليه فيما بعد، وقبضوا عليه في الرياض عام 1305هـ، ففتح هذا التصرف الباب لتدخل الأمير (محمد بن عبدالله الرشيد) الذي أجهز على الدولة السعودية الثانية ـ على نحو ما سيأتي تفصيله ـ.
الموقف العثماني من الفتنة الأهلية.
لم تقف الدولـة العثمـانية موقـف المتفرج من نزاع الأخويـن الدائـر بين الإمـام عبد الله بن فيصـل وأخيه الأمـير سعود بن فيصـل، بل كانت دومًــا تتحـين الفرص من أجـل استعـادة سيادتها على مناطـق الخليـج العربي الساحليــة، خاصـة في منطـقة الأحــساء وقطر وغيرهـما من مناطـق الخلـيج الـعربي.

وجاءت الفرصة للدولة العلية العثمانية عندما ـ الإمام عبد الله بن فيصل من مدحت باشا والي بغداد مسـاعدة الدولة العثـمانية له ضد حركة أخيه سعود، خاصة بعد انتصار سعود وقواته على قوات الإمام عبد الله في وقعة جودة في رمضان عام 1287هـ، 1 ديسمبر عام 1870م، والتي قتل فيها كثير من الطرفين، ووقع الأمير محمد بن فيصل أسيرًا في قبضـة القـوات المواليـة للأمير سعـود بن فيصل ودخل الأمير سعود بن فيصـل على أثرها الرياض وبايعه أهلها.

وكما هو معروف فإن الدولة العثمانية كانت ترمي إلى تركيز دعائم الحكم العثماني في ولاياتها الشرقية، ولذا نجدها تضاعف حامياتها في كل ولاياتها، خاصة في الحجاز واليمن والعراق. وعينت كذلك مدحت باشا الرجل الشديد والطموح حاكمًا عامًا على العراق، وأطلقت يده في بسط نفوذ الدولة العثمانية في أي اتجاه يراه مناسبًا. ومما ساعد الدولة على تحقيق مخططاتها الجديدة افتتاح قناة السويس عام 1286هـ، 1869م، فأصبح في مقدورها إرسال حملات عسكرية بحرية كبيرة تساند قواتها البرية، بالإضافة إلى ما قامت به الدولة العثمانية من تنظيمات عسكرية في أعقاب حرب القرم.

جاء طلب عبد الله بن فيصل النجدة من والي بغداد فرصة جيدة للدولة العثمانيـة لتنفيـذ ما خطـطت له، على الرغم من معارضـة بريطانيا وادعائهـا بأن مثل هذه المخططات العثمانية تعكر صفو السلام في المنطقة. وبناءً عليه، أرسل مدحت باشا حملة عسكرية قوية ومنظمة عام 1288هـ، 1871م إلى منطقة الأحساء واحتلتها، وأطلقت عليها اسم ولاية نجد.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مدحت باشا كان قد وعد الإمام عبد الله بن فيصل بتعيينه قائم مقام على نجد ولكنه أخلف وعده. وقد ترتب على الحملة العثمانية انسلاخ المنطقة الشرقية عن الدولة السعـودية الثانية، فزاد بذلك ضعف الدولة السعودية الثانية، وخاصة موقف الإمام عبد الله بن فيصل، ولم يكن ذلك إلا بسبب الخلاف الدائر بين عبد الله بن فيصل وسعود بن فيصل والقوى المؤيدة لكل منهما.
موقف آل رشيد من الفتنة.
استفاد آل رشيد من الفتنة الأهلية فأخذوا يوسعون دائرة نفوذهم في البلدان النجدية غير جبل شمّر. فتدخل الأمير محمد بن رشيد في شؤون القصيم الداخلية عام 1293هـ، 1876م. وتدخل محمد بن رشيد أيضًا في فك الحصار عن بلدة المجمعة التي حاصرها الإمام عبد الله بن فيصل عام 1299هـ، 1882م، واضطر الإمام عبد الله إلى فك الحصار عنها تحت ضغط قوات محمد بن رشيد التي كان يناصرها حسن بن مهنّا الذي انضم بقواته إلى جانب قوات ابن رشيد. ومعروف أن الأمير محمد بن عبد الله بن رشـيد يُعدّ بحق من أشهر أمراء جبل شمّر بعد عبد الله بن رشيد مؤسس إمارة آل رشيد، إذ توسـعت الإمارة الرشيدية في عهـده فشـملت، إلى جانب جبل شمر، منطقة الجوف ووادي السرحان، ودام حكم هذا الأمير قرابة ربع قرن.

انتصر الأمير محمد بن رشيد على قوات الإمام عبد الله بن فيصـل في وقعة أم العـصافير قرب المجمعة عندما هب ابن رشيد، وحسن بن مهنّا لنجدة المجمعة التي ظلت ترفـض الولاء والطاعة للإمام عبد الله بن فيصل، في وقت كانت تعيش فيه بلدان نجد في جو من الحروب والمنازعـات والفوضـى؛ بسـبب ضعـف السلطة المركزية السـعودية نتيجة استمرار الفتنة الأهلية. وبعد وقعة أم العصـافير تمكن الأمير محـمد بن رشيد من فرض سيطرته على إقليمي الوشـم وسدير، ويكون بذلك قد قوّض دعائم الحكم السعـودي بشكل تدريجي، إذ انحصر هذا الحكم في منطـقة العارض ومناطق جنـوبي الرياض، حتى إن مناطق جنوبي الرياض ظلـت وقتها تؤيـد أولاد الأمـير سعــود بن فيصل المعارضين لحكم عمهـم الإمام عبـد الله بن فيــصل.

تدخّل محمـد بن عبد الله بن رشيــد في الحوادث الدائرة في الرياض في الوقت الذي دخل فيه أبنـاء الأمـير سعـود بن فيـصل الريــاض وقبضوا على عمهــم. فجــاء محمــد بن رشيـد بقــواته إلى الرياض بحجـة مساعــدة الإمـــام عبــداللـه ابن فيصل، واستطاع محمد بن رشيد دخول الرياض والسيطرة على مقاليد السلطة الفعلية فيها. وقبل مغادرته عين سالم بن سبهان أميرًا على الرياض كحاكم فعلي فيها. وذهب الإمام عبد الله بن فيصل وأخوه عبد الرحمن بن فيصل مع محمد بن رشيد إلى حائل وظلا هناك من عام 1307هـ، 1889م. وهكذا تطورت الحوادث وتسارعت الأمور بشكل كبير ضد الدولة السعودية الثانية.

توفي الإمام عبد الله بن فيصل في 8 ربيع الآخر من عام 1307هـ، 24 نوفمبر عام 1889م، ونودي بأخيه الأمير عبد الرحمن بن فيصل إمامًا للدولة السعودية الثانية التي كانت تحتضر. وقد امتاز الإمام عبد الرحمن بن فيصل بالكفاءة والقدرة وحسن التدبير، إلا أنه تزعم الدولة في ظروف ليست في صالحه. فابن رشيد كان حينذاك يخطط لإنهاء حكم آل سعود، وإسقاط الدولة السعودية ليحل مكانها حكم آل رشيد وقيادتهم لنجد. لذا قرر محمد بن رشيد أن يتخلص من الإمام عبد الرحمن بتدبير مؤامرة لاغتياله بوساطة تابعه سالم بن سبهان الذي أصبح له نفوذ كبير في الرياض. ولكن الإمام عبد الرحمن اكتشف المؤامرة، وزج بسالم بن سبهان في السجن. فاستغل محمد ابن رشيد هذا الحادث لتنفيذ مخططه الرامي إلى السيطرة على جميع نجد.

توجه محمد بن رشيد عام 1308هـ،1890م بقواته إلى الرياض، وحاصرها وقطع الكثير من نخيلها، وناوشه أهلها. وشكل الناس في الرياض وفدًا لمفاوضة ابن رشيد، وكان رئيس الوفد الأمير محمد بن فيصل آل سعود، أخا الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود ومعه ابن أخيه عبد العزيز بن عبد الرحمن والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ. وتم الاتفاق على: 1ـ يطلق الإمام عبد الرحمن بن فيصل سراح سالم بن سبهان. 2ـ أن تكون سيادة عبد الرحمن بن فيصل على منطقتي العارض والخرج.

لم يدم هذا الاتفاق طويلاً لأن محمد بن رشيد حارب أهالي القصيم وهزمهم في وقعة كبيرة هي وقعة المليدا الفاصلة التي سيطر في أعقابها محمد بن رشيد على منطقة القصيم، وتفرغ بعد ذلك لمواجهة الوضع في الرياض، حيث أخذ يطوي بلدان نجد تدريجيًا تحت سيادته.

وهكذا لم تصبح لدى الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود قوة كافية لمواجهة أطماع الأمير محمد بن رشيد، ولم يكن قادرًا على إيقاف تقدمه صوب الرياض، خاصة بعد وقعة المليدا. فقرر الإمام عبد الرحمن بن فيصل مغادرة الرياض هو وأفراد أسرته، وقد ترك أخاه محمد بن فيصل يحكم الرياض نائبًا عنه عام 1308هـ، 1890م. وذهب عبد الرحمن بن فيصل إلى قبيلة العجمان. ومع أن الإمام عبد الرحمن بن فيصل حاول أن يجمع القوات المناصرة له ليعيد نشاطه ضد ابن رشيد، لكن تلك المحاولة باءت بالفشل عندما انتصر محمد بن رشيد وقواته على عبدالرحمن بن فيصل وقواته قرب بلدة حريملاء، واضطر عبدالرحمن بن فيصل للعودة إلى قبيلة العجمان ليقيم في كنفها. ويُعدّ عام 1309هـ، 1891م، العام الذي وقعت فيه وقعة حريملاء، نهاية الدولة السعودية الثانية وسقوطها، ثُمَّ حلَّت محلَّها في نجد سيادة أسرة آل رشيد تحت زعامة الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد الذي قضى على الدولة السعودية الثانية. واستقر المطاف بآل سعود ليحلوا ضيوفًا على شيخ الكويت.
نتائج الفتنة.
عمت البلاد حروب شملت بلاد نجد، وامتدت خارجها. وسادت البلاد السعودية حالة من الفوضى دامت أكثر من ثلاثين سنة. وعادت الصراعات القبلية، وبرزت روح العداء التقليدي بين الجماعات الحضرية والبدوية. وظهرت روح العداء بين الجماعات والعائلات الحضرية التي كانت متعادية ومتناحرة قبل مجيء السلطة المركزية القوية التي استطاعت إخماد جذوة الفتن وكسر حدّة عنفها.

شجعت الفتنة آل رشيد على السيطرة على كل البلاد النجدية. وتمكن العثمانيون من سلخ المنطقة الشرقية، مما أدّى إلى زوال الدولة السعودية الثانية. وتشجيع إمام عمان فانتزع منطقة البريمي التي ظلت تخضع للدولة السعودية على مرّ حقب تاريخها. ونعمت بريطانيا باستقرار نفوذها في الخليج بعد أن ضعفت القوة المحلية المؤثرة.

أما في المجال الاقتصادي، فقد انشغل الأهالي في الحروب، وساد جو من عدم الأمن والاستقرار مما أثر على الوضع الاقتصادي في منطقة نجد خاصة لأنها مركز الفتنة، وأرضها. فتراجعت الزراعة والتجارة والصناعة، وأثر ذلك على الرعي. وسادت حركة القوافل التجارية حالة من القلق وعدم الاطمئنان الناجمين عن فقدان الأمن في الطرق التجارية، مما شجع بعض الجماعات البدوية على أخذ الأتاوى التجارية العالية، وشجع بعضها على قطع الطرق التجارية والسيطرة على حمولة القوافل التجارية بالقوة بعد زوال السلطة المركزية القوية. وأمر بديهي أن تتأثر الأوضاع الاقتصادية بالأوضاع السياسية في المنطقة، فكلما عم الأمن والاستقرار والهدوء والسلام في البلاد، ازدهرت الحياة الاقتصادية.

ونتج عن الفتنة تمزيق وحدة المجتمع بعد أن تهيأت له أسباب الانقسام كدخول القبائل في حروب ضد بعضها. وأثرت الفتنة على الحياة التعليمية والثقافية في البلاد، فُشلّت حركة الكتاتيب، ومن ناحية أخرى ألهبت الحروب عواطف الشعراء ففاضت قرائحهم بالشعر الذي يصف الفتنة ونتائجها ومدى المساوئ السياسية والاجتماعية التي خلفتها.
نظام الحكم والإدارة في الدولة السعودية الثانية
تشمل أنظمة الدولة في مجال الحكم والإدارة: النظام السياسي، والنظام الحربي، والنظام الإداري، والنظام القضائي، والنظام المالي. ودستور الدولة السعودية الثانية يقوم على أساس تطبيق الشريعة الإسلامية، ونصرة التوحيد، وهي في أحكامها تستند إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومذاهب الأئمة الأربعة. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (الحق والصواب ما جاء به الكتاب والسنة، وما قاله وعمل به الأصحاب واختاره الأئمة الأربعة المقلدة في الأحكام، فقد انعقد على صحة ما قالوه الإجماع). وبناءً عليه، ركزت الدولة السعودية الثانية على المسائل الدينية في المقام الأول. ونتيجة لتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية، فقد قلت السرقات والأعمال المخالفة للشرع الإسلامي، كما قلت في المجتمع العادات الاجتماعية الذميمة المخالفة للشريعة الإسلامية وكَثُرَت التقاليد والعادات العربية الأصيلة التي أقرها الإسلام وحافظ عليها.
النظام السياسي.
يشتمل النظام السياسي في الدولة السعودية الثانية على المناصب التالية:

الإمام. وهو الرئيس الأعلى للدولة، وصاحب السلطات الفعلية والرئيسية فيها. ويدعم مركز الإمام ويقويه استناده في حكمه على تطبيق أحكام الشرع الإسلامي. فالإمام هو الرئيس السياسي للنظام كله، وهو القائد العام للقوات السعودية، وهو صاحب السلطة في إبرام المعاهدات وإعلان الحرب. وعنده تحل جميع المسائل المعقدة والخلافات الكبيرة التي كانت تحدث بين العائلات، أو تلك التي كانت تحدث بين القبائل وغير ذلك من المسائل الاجتماعية الصعبة. وهو المسؤول الأول عن شؤون بيت المال، وموارده ومصارفه. وللإمام ديوان في قصر الحكم يجتمع فيه مع مستشاريه وقضاته وأمراء البلدان وشيوخ القبائل. ومركز إقامة الإمام هو قصر الحكم في الرياض.

ولي العهد. سارت الدولة السعودية الثانية في اختيار ولي العهد على النظام الوراثي الأسري للابن الأكبر من أبناء الإمام الحاكم. ويتحمل ولي العهد أعباء كبيرة من مهمّات الدولة وواجباتها الوظيفية، خاصة في غياب الإمام في حالات الغزو أو الإجازات أو الزيارات أو المرض وغيرها. وأحيانًا كان يعين ولي العهد أميرًا على إقليم أو منطقة من مناطق الدولة من أجل تدريبه على الأمور الإدارية والسياسية، ولكي يظل على احتكاك بالناس ليتعرف على أحوالهم واحتياجاتهم، وبالتالي يكون قد اكتسب خبرة جيدة في مجال الإدارة العامة تفيده عند تسلمه مقاليد الحكم في البلاد. وكثيرًا ما كان يتسلم ولي العهد أمر قيادة القوات بدلاً من والده، وذلك من أجل تدريبه على فنون الحرب وأعمال الفروسية لأنه في المستقبل سيكون قائدًا عامًا للغزو عندما يصبح إمامًا خلفًا للإمام السابق. ومهما يكن الأمر، فقد كانت بيد ولي العهد سلطات وصلاحيات محدودة قدر الإمكان لأن كل السلطات الفعلية بيد الإمام نفسه.

أمراء الأقاليم. كانت الدولة السعودية الثانية مقسمة إلى عدة مناطق أو أقاليم، عُيِّن على كل إقليم أمير، وقد راعى الإمام عدة اعتبارات عند تعيين الأمراء، كأن يكون الأمير من بين الرؤساء المحليين، ومن بين الموالين للدولة والمؤيدين لنظامها، أو من بين الموظفين الإداريين الذين اشتغلوا بالوظائف الإدارية في الدولة، وغيرها من الاعتبارات الأخرى. ومهما يكن للأمير من نفوذ في منطقته، فإن هذا لا يحول بينه وبين العزل أو النقل أو التأديب في حالات العصيان أو التمرد أو الاختلاس أو سوء الإدارة.

ويأتي مركز الأمير في الدرجة الأولى بعد مركز ولي العهد، خاصة في إمارته أو إقليمه. فهو المشرف على كل الإدارة والشؤون المالية في الإقليم أو المنطقة التي يرأس إمارتها. وهو المسؤول الأول عن جمع قوات الغزو عند إعلان النفير العام بأمر من الإمام نفسه. فالأمير هو الممثل الأول للإمام في الإقليم. وتظل سلطة الإمام قوية على أمرائه، فكثيرًا ما كان يجمع أمراء النواحي والمناطق والأقاليم ويخاطبهم بمنتهى القسوة والتهديد في حال قوع الخلل أو المخالفات الكبيرة. نقتطف نصًا من خطاب الإمام فيصل بن تركي مخاطبًا أمراءه: “إنكم إذا ورد أمري عليكم بالمغزا حملتموهم زيادة لكم وإياكم ذلك فإنه ما منعني أن أجعل على أهل البلدان زيادة ركاب في غزوهم إلا الرفق بهم، واعلموا أني لا أبيحكم أن تأخذوا من الرعايا شيئًا… ومن حدث منه منكم ظلم على رعيته فليس أدبه عزله بل أجليه عن وطنه…”. ويمكن توضيح مهمات الأمير بالآتي:

– هو المسؤول الأول في الإقليم ونائب عن الإمام فيه.
– عليه أن يجهز الغزو، وغالبًا يكون هو قائد جيش إمارته.
– عليه جمع الزكاة والأعشار والجهادية من الأهالي في الإقليم.
– عليه أن يرسل خمس الغنائم إلى السلطة المركزية في الرياض في حال انتصار قواته على الجماعات المتمردة على السلطة أو في حال الغزو الخارجي.
– هو المسؤول الأول عن توزيع عطايا السلطان وهباته.

الشورى. طبقت الدولة السعودية الثانية مبدأ الشورى في نظام حكمها في مختلف مراحله. وتنقسم الشورى إلى قسمين: أ- شورى خاصة ب- شورى عامة.

أما الشورى الخاصة فهي تضم عددًا من الأمراء والقضاة والفقهاء والقادة وبعض أفراد الأسرة السعودية وبعض شيوخ القبائل. وتجتمع هذه النخبة من أصحاب الرأي والمشورة في الرياض، عاصمة الدولة السعودية الثانية، وعندما يأمر الإمام باجتماعها، وينعقد اجتماع أعضاء الشورى في الحالات المهمة مثل حالات إعلان الحرب، وتعيين ولي العهد وغيرهما من الأمور المهمة التي تتطلب التشاور والمحاورة وأخذ عدد من الآراء في موضوع معين.

غدت الشورى في الدولة السعودية الثانية نظامًا واضحًا في عهد الإمام فيصل بن تركي؛ فمنذ اللحظة الأولى التي تسلم فيها الحكم عقد اجتماعًا حضره مجلس شوراه الذي كان يتكون من عبد الله بن رشيد، وعبدالعزيز ابن محمد آل عليان أمير بريدة، وتركي الهزاني أمير الحريق، وحمد بن يحيى بن غيهب أمير الوشم وغيرهم من الأعوان والفقهاء وشيوخ القبائل، وذلك لمناقشة شؤون الأقاليم وأحوال سكانها واحتياجاتهم.

اجتمع مجلس الشورى أيضًا للتباحث والتشاور في وضع الخطط اللازمة لمقاومة حملة القائد إسماعيل بك وخالد بن سعود اللذين أرسلهما محمد علي باشا للقبض على فيصل بن تركي، وإنهاء سيادة الدولة السعودية الثانية.

أما الشورى العامة فهي أعم وأوسع من مفهوم الشورى الخاصة، وهي تُعقد على شكل اجتماعات رسمية عامة، وفي مناسبات معينة إما من أجل دراسة بعض المشكلات المتعلقة بالأقاليم، أو في حال حدوث فتور وحالات تمرد قامت به جماعات معينة أو قبيلة معينة أو إقليم معين من بين أقاليم الدولة. وعلى الرغم من أن مثل هذه الاجتماعات القليلة عامة، إلا أنه كان يحضرها القضاة والفقهاء والشيوخ والرؤساء المحليون وأصحاب الفكر والقادة وغيرهم إلى جانب عدد من الأهالي الذين يُدْعون لحضور مثل هذه الاجتماعات في مؤتمرات رسمية عامة. وخير ما يمثل هذا النمط من الشورى العامة اجتماع وثيلان
الذي عقد في الدهناء قرب عين ماء تسمى وثيلان، اجتمع فيه الإمام تركي بن عبد الله بعامة المسؤولين في الأقاليم.
النظام العسكري.
يشمل هذا النظام إعداد القوات وأنواعها وطرق الحرب والوسائل والمعدات التي يحارب بها الجندي. والواقع أنه ليس في الدولة السعودية الثانية تنظيم عسكري بالمعنى الحديث، وإنما كانت الدولة السعودية الثانية تعتمد على نظام النفير العام، وهو يعني التعبئة الحربية العامة في البلاد بقسميها الحضري والبدوي. وكان إعداد النفير العام يتم على الشكل التالي:

– يصدر الإمام بصفته القائد العام للغزو أوامره إلى أمراء المناطق وأهمها: جبل شمّر، والقصيم، والدواسر، والأفلاج، والخرج، وسدير، والوشم، والعارض، والأحساء، بتجهيز قواتهم والحضور إلى مكان يكون قد عينه الإمام سرًا.
– كان الأمير في الإقليم يمثل الإمام، لذا عليه أن يجهز قواته المطلوبة بالسلاح والعتاد والطعام الذي يكفي تلك القوات على الأقل بضعة أيام.
– يجتمع الإمام بأمراء القوات كلها وبمساعديهم وقادة قواتهم وعندها يقرر الإمام الجهة المراد غزوها.
– تظل القوات في حال النفير العام حتى تصدر أوامر من الإمام بانصراف القوات إلى ديارها.

كانت معدات تلك القوات بسيطة، ولا تجديد فيها، فهي السيف والرمح والبندقية وبعض المدافع القديمة. وتتكون القوات السعودية من مشاة وفرسان وهجانة، أما بالنسبة للبحرية، فهي لا تتعدى عملية نقل بعض الجند بالسفن إلى البر. أما عن خطط القوات الحربية فهي تعتمد على المباغتة أو الهجوم المكشوف أو الكمين أو أسلوب الكر والفر أو أسلوب الزحف. وكانت القوات وقت الحرب تقسم إلى قلب وميمنة وميسرة ومقدمة، وهو نظام مألوف في القتال. ولم يكن للجنود المقاتلين رواتب محددة، بل كانت توزع عليهم الغنائم بعد طرح خمسها. وكانت الدولة السعودية الثانية تجمع قوات تقدر بحوالي مائة ألف جندي.
النظام الإداري.
يشتمل هذا النظام على التوزيعات الإدارية في الدولة السعودية الثانية، مثل المناصب الإدارية في الدولة، والترتيبات الإدارية في الأقاليم التابعة للدولة. وقد أعطانا وليم بيلجريف الذي زار جبل شمّر والرياض والمنطقة الشرقية عام 1280هـ، 1863م في عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية لائحة بأسماء الأقاليم التي كانت تتألف منها الدولة السعودية الثانية، وهي: العارض، الخرج، الحريق، الأفلاج، السليِّل، الوشم، سدير، القصيم، الهفوف، القطيف، البريمي، جبل شمّر، الجوف، خيبر، تيماء. وظلت هذه التقسيمات الإدارية بالنسبة للمناطق طيلة عهد الإمام فيصل بن تركي، ومطلع حكم ابنه الإمام عبد الله بن فيصل. وبعد ذلك انفرطت وحدة الدولة بسبب الفتنة الأهلية وتجزأت إلى قسمين، الشرقي وقد احتله العثمانيون، والآخر سيطر عليه آل رشيد. ولما احتل العثمانيون منطقة الأحساء وقطر قسموها إداريًا إلى ثلاثة أقضية هي: الهفوف، والقطيف، وقطر. أما بالنسبة لآل رشيد، فقد ظل الوضع الإداري القديم قائمًا، باستثناء بعض الإجراءات الإدارية المؤقتة.

ويذكر المؤرخ العراقي إبراهيم بن فصيح الحيديّ أن عدد الوظائف الإدارية في الدولة السعودية الثانية وصل إلى ألف وظيفة إدارية في نجد، وإلى خمسمائة وظيفة إدارية في الهفوف، وخمسمائة وظيفة إدارية في القطيف، وخمسمائة وظيفة إدارية في البريمي، ولم يذكر لنا عدد الوظائف الإدارية في جبل شمّر، وربما يعود ذلك لبداية انفراط عقد الدولة السعودية الثانية بسبب الفتنة. وعينت الدولة السعودية حكامًا (أمراء) على المناطق وأعطتهم صلاحيات الأمير حاكم الإقليم.
هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
تشبه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ديوان الحسبة
في دولة صدر الإسلام، على الرغم من وجود بعض الاختلافات بينهما. وورد ذكر الهيئة في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إذ يقول: “والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على من قدر عليه من جميع الرعية وهو في حق الإمام أعظم، فلا يجوز للإمام ترك الإنكار على أحد من المسلمين، بل يجب عليه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القريب والبعيد. ويؤدب الغال بما يردعه وأمثاله عن الغلول من أموال المسلمين”. يدلُّ ذلك على أنَّ تشكيل الهيئة في نظر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمر ضروري. واتضح أمر الهيئة في عهد الإمام فيصل بن تركي الذي ركز في خطابه الذي عممه على الأهالي في فترة حكمه الأولى على وجوب تشكيل الهيئة، وعلى أمراء المناطق كلهم دعمها ومعاضدتها لأنها هي أيضًا دعم لهم. وتكونت الهيئة من جديد في فترة حكم الإمام فيصل الثانية بعد عودته من مصر وتسلمه مقاليد الحكم في البلاد، فأمر في أول خطاب له ألقاه على الأهالي بإعادة تكوين تلك الهيئة، وما زالت الدولة السعودية تدعمها وتقويها حتى وقتنا الحاضر.

أما عن واجبات الهيئة فهي كالتالي: الإشراف على تطبيق الشريعة الإسلامية، عن طريق المراقبة التي يقوم بها أفراد جماعة الهيئة الذين يسمون نواب، ووظيفتهم تذكير الناس بأوقات الصلاة، وترك أعمال البيع والشراء حتى يفرغوا من أداء الصلاة في المساجد والإشراف على الآداب العامة، وعلى الموازين والمكاييل ومراعاة أحكام الشرع في عمليات البيع والشراء.
النظام القضائي.
يستند النظام القضائي في الدولة السعودية الثانية على أساس أحكام الشريعة الإسلامية. فقد انتشرت المحاكم الشرعية في ربوع البلدان ووزعت الدولة القضاة على الأقاليم لحل جميع المشكلات المختلفة التي تنشب بين أفراد المجتمع. ويأتي القاضي في الدرجة الأولى من حيث الرتبة الوظيفية بعد أمير الإقليم مباشرة. وللقضاة كلمة مسموعة لدى الحكام وعند الناس. ومركز القاضي يكاد يكون ثابتًا، فكثير من القضاة خدموا في سلك القضاء مدة حياتهم، ولم يتعرض منصب القاضي لتغيُّرات طارئة وغير طارئة لأن هذا المنصب منصب ديني في الدرجة الأولى، ومهمته الفصل في الخصومات والمنازعات بين الأهالي على أساس الشرع الإسلامي. وقد اشتهر عدد من القضاة في عهد الدولة السعودية الثانية، منهم: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ والشيخ علي بن حسن آل الشيخ والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين والشيخ عبد الرحمن بن حمد الثميري والشيخ عبد العزيز ابن عثمان بن عبد الجبار والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ عبد الله الوهيبي والشيخ جمعان بن ناصر والشيخ عبد اللطيف بن الشيخ مبارك آل مبارك والشيخ أحمد بن مشرف والشيخ ناصر بن علي العريني والشيخ محمد بن مقرن والشيخ محمود الفارسي وغيرهم من قضاة الدولة.
النظام المالي.
كان للدولة السعودية الثانية بيت مال خاص بها. وأهم وارداته: الزكاة بكل أنواعها. وقد كانت زكاة أقاليم الدولة ومناطقها تبلغ حوالي 265,000ريال سنويًا وكانت زكاة القبائل تصل إلى حوالي 115,000ريال سنويًا، بالإضافة إلى الزكاة التي كانت تؤخذ من مسقط فقد بلغت حوالي 6,000 ريال سنويًا، ومن البحرين حوالي 4,000 ريال سنويًا، ومن شيوخ ساحل عمان حوالي 1,200 ريال سنويًا، ومن صحار في القسم العماني غير مسقط حوالي 8,000 ريال سنويًا. فبلغ مجموع واردات الدولة السعودية الثانية من الزكاة أكثر من 400,000 ريال سنويًا.

وهناك واردات أخرى مثل الجمارك التي تؤخذ على البضائع التجارية القادمة من خارج البلاد. وليس لدينا سجلات رسمية تحصي مقدار ما كانت تأخذه الدولة السعودية الثانية من جمارك.

وهناك مورد خاص هو الغنائم أو مكاسب المعركة من أسلاب الحرب عند اندحار العدو أو في حال انكساره، وحصة بيت المال منها الخمس، وأما الباقي فيوزع على المحاربين كل حسب كفاءته ورتبته ومقدرته القتالية.

وهناك مورد آخر وهو ضريبة الجهادية التي كانت تؤخذ من السكان كبدل عسكري، تصرف على القوات الغازية.

أما مجالات الصرف في الدولة السعودية الثانية فهي تقوم على دفع رواتب الإداريين والقضاة وغيرهم. وهناك مصروفات على شكل منح وهدايا تُعطى لشيوخ القبائل والعلماء وغيرهم. وهناك مصروفات مخصصة للفقراء والمحتاجين وأبناء السبيل ودور الشؤون الاجتماعية مثل دور الأيتام والعجزة. وهناك مصروفات عامة تخص المجالات العمرانية وغيرها من المشروعات العامة القليلة نسبيًا وقتذاك.
النظام الاقتصادي الداخلي.
يشتمل الاقتصاد على جميع المرافق الزراعية والتجارية والحرفية في البلاد.

الزراعة. تكثر في الواحات والمناطق الزراعية وهي كثيرة ومنتشرة في ربوع البلاد. وكانت نسبة السكان الذين يعملون في الزراعة عالية جدًا.

التجارة. تأتي في الدرجة الثانية بعد الزراعة، وهي نوعان: تجارة داخلية وتجارة خارجية، وتتمثل جميعها في عمليات البيع والشراء والتبادل التجاري. وقد توفرت في أسواق البلاد الحاجيات الغذائية والملابس والبضائع الأخرى من كماليات مثل أنواع الصياغة الذهبية والفضية وغيرها. وكان تجار البلاد يجوبون بلادًا خارجية لاستيراد السلع التجارية التي يحتاجها الناس، فكانوا يستوردون السكَّر والبن والهيل والقرنفل والفلفل والكركم وكل البضائع التي يطلبها السكان. وكانت البضائع الخارجية تأتي إلى القطيف أو البحرين أو العقير أو عن طريق بنادر الحجاز واليمن ثم تنقل بوساطة القوافل التجارية إلى المناطق الداخلية من بلاد الدولة السعودية الثانية.
العلاقات الخارجية للدولة السعودية الثانية علاقتها مع بريطانيا.
ظلت علاقة الدولة السعودية الثانية بالقوى المحلية السياسية المجاورة لها، خاصة في مناطق الخليج، تتشابه إلى حد كبير مع علاقة الدولة السعودية الأولى بتلك القوى، إلا أن علاقة الدولة السعودية الثانية كانت أكثر وضوحًا مع الدول الكبرى، خاصة بريطانيا. فقد زار اللفتنانت كولونيل لويس بيلي البريطاني الرياض عاصمة الدولة السعودية الثانية في ربيع عام 1282هـ، 1865م. ومعروف جدًا أن رحلة بيلي الموظف البريطاني الرسمي في الخليج كانت تهدف في المقام الأول إلى خدمة بريطانيا وخدمة أغراضها ومصالحها في منطقة الخليج، حيث إن بريطانيا كانت تأتي في صدارة الدول الاستعمارية في هذه المنطقة. وظلت بريطانيا تتخوف كثيرًا من نمو القوة الفرنسية في الخليج ومناطق الشرق الأخرى.

شعرت بريطانيا أنها تجاور دولة وطنية محلية قوية، هي الدولة السعودية الثانية، خاصة في عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية التي استمرَّت قرابة اثنين وعشرين عامًا. ولذا رأت بريطانيا عن طريق معتمدها البريطاني في الخليج ضرورة إيجاد نوع من العلاقة بينها وبين الدولة السعودية الثانية التي تمتد حدودها إلى الخليج، ولها يد طولى وقوية على شيوخ المناطق الخليجية. وكان لا بد من ظهور بعض المشكلات السياسية بين الموظفين السعوديين الرسميين في مناطق الخليج وبين بريطانيا صاحبة النفوذ الواسع في تلك المنطقة. وكانت بريطانيا ترى أن تلك المشكلات لا يمكن حلها إلا عن طريق الاتصال المباشر بالإمام فيصل بن تركي الحاكم القوي والمؤثر الفاعل على رؤساء الساحل وشيوخه.

وثمة نقطة جديرة بالاهتمام وهي أن بريطانيا كانت تحاول كسب ود الدولة السعودية الثانية وقتذاك لتعمل قدر جهدها على إبعاد فرنسا عن الميدان بعد أن أحسَّت بالتحركات السياسية الفرنسية في المنطقة، خاصة عندما عرفت بالزيارة التي قام بها جيفورد وليم بيلجريف إلى داخل الجزيرة العربية عام 1280هـ، 1863م، أي قبل وفاة الإمام فيصل بن تركي بحوالي سنتين فقط، وقد تبين أن رحلته هذه كانت من إعداد الحكومة الفرنسية.

وبناءً عليه فإن رحلة لويس بيلي هذه كانت بمثابة فتح الباب بالنسبة للعلاقة السعودية البريطانية، فكانت بريطانيا تسعى للتعرف على نوايا الدولة السعودية الثانية تجاه عدد من القضايا من أهمها: 1ـ إيجاد علاقة صداقة بينها وبين الدولة السعودية الثانية. 2ـ معرفة الحدود الشرقية للدولة السعودية الثانية. 3ـ معرفة القبائل الخليجية التي تعدّها الدولة السعودية الثانية من رعاياها. 4ـ معرفة الوحدات السياسية والقبائل الساحلية التي تدفع الزكاة للدولة السعودية الثانية.

وجدير بالذكر أن بيلي أدرج في تقريره الذي قدمه إلى حكومته قائمة بأسماء القبائل التي كانت تتبع الدولة السعودية الثانية، والقبائل الأخرى التي كانت تدفع الزكاة لها في منطقة الخليج. وقد ودّع بيلي المسؤولين في الرياض قائلاً: “إني لأرجو أن أغادر الرياض وأنا على مودة واتفاق مع الحكومة السعودية، وأن يكون هناك ما يبشر بإيجاد علاقة أكثر ودًا بين بريطانيا والدولة السعودية الثانية. وإني لأرجو أن تسمح لي الفرصة للقيام بخدمة ودية وغير رسمية من أجل تسوية العلاقات بين الرياض ومسقط”.

ويذكر بيلي في تقريره أنه لم تجر أي مفاوضات بينه وبين الإمام فيصل بن تركي بشأن عقد أي معاهدة أو التوصل إلى تفاهم ما حول ذلك، وأن الإمام فيصل بن تركي أعرب له عند الوداع عن رغبته في أن يرجع بيلي إليه في حال وقوع حوادث سلب أو تحطيم أو إغراق للسفن البريطانية في ميناءي القطيف والعقير حتى يُنزل أشد العقوبات بالمعتدين. ويذكر بيلي أيضًا أن الإمام فيصل بن تركي كان قد ذكر له أن زيارته للرياض ستفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الدولة السعودية الثانية وبريطانيا.
علاقة الدولة مع فرنسا.
كانت علاقة الدولة السعودية الثانية مع فرنسا أضعف من العلاقة بين بريطانيا والدولة السعودية الثانية. والواقع أن نابليون الثالث إمبراطور فرنسا كان مهتمًا كثيرًا بمعرفة أخبار جزيرة العرب، بالإضافة إلى حاجته لشراء خيول من أصول عربية لجنوده الخيالة، وقد عثر نابليون الثالث على جيفورد وليم بيلجريف الرحالة الإنجليزي المشهور الذي عمل في بداية حياته ضابطًا بالجيش الإنجليزي في الهند، وكان يتقن العربية، عثر عليه وهو يخطط للقيام برحلة إلى الجزيرة العربية ليطلع على حقيقة أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد رأى نابليون الثالث بثاقب بصره أن يفيد من هذا الرحالة الإنجليزي، ويحوِّل نتائج رحلته ودراسته لحساب السياسة الفرنسية. كما جاء قبل بيلجريف بخمسين سنة، باديا إي لبلخ الذي أطلق على نفسه اسم علي بك، وهو أسباني الأصل، زار الجزيرة العربية وكان يعمل في السر جاسوسًا للإمبراطور نابليون الأول عم الإمبراطور نابليون الثالث.

ومن هذا فإن فرنسا كانت ترغب في قيام علاقات ودية مع الدولة السعودية الثانية أقوى الدول المحلية الوطنية في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. وكانت فرنسا قد أعدت مخططًا سياسيًا واسعًا لمد نفوذها في مناطق الشرق من أجل ضرب النفوذ الاستعماري البريطاني في المنطقة. ولذا فقد تركزت السياسة الفرنسية على مبدأ استراتيجية الوصول إلى الهند في الشرق عن طريق ضمان البحار الداخلية والسواحل والمنافذ في الجزيرة العربية. وهذا الأمر يوضح سر التنافس والعلاقة السيئة القائمة بين بريطانيا وفرنسا. والواقع أن بيلجريف لم يحقق لفرنسا أي نوع من الاتصالات أو الاتفاقات بينها وبين الدولة السعودية الثانية، بل على العكس تمامًا فقد اكتشف المسؤولون السعوديون في الدولة السعودية الثانية أن بيلجريف جاسوس وعميل لدولة أجنبية، فطردوه من البلاد. وبناءً عليه فإن الاتصال البريطاني الرسمي بالدولة السعودية الثانية ظل يختلف عن الأسلوب الذي اتخذته فرنسا للاتصال بالدولة السعودية الثانية، ولم يكن هذا الأسلوب موفقًا أبدًا.

ويشير تقرير بيلي إلى أنه استفسر من الإمام فيصل بن تركي عن علاقة الدولة السعودية الثانية بدولة فرنسا. وكان جواب الإمام “أنه من قبل بضع سنين تسلم رسالة من سفينة فرنسية تتعهد فرنسا في تلك الرسالة بتقديم المساعدة له عند الحاجة عن طريق البحر”. ويقول الإمام السعودي “إنني تلقيت رسالة أخرى مماثلة تطلب مني إرسال الرد إلى القنصل الفرنسي في دمشق. وكان ردي على الرسالتين بالشكر والامتنان، وعبرت في ردي على الحكومة الفرنسية بأنني لا أحتاج في الوقت الحاضر إلى أي مساعدة”.

وهكذا انتهت الدولة السعودية الثانية، وانتهى معها الدور السعودي الثاني الذي اتصف في مطلعه بعهد من الفوضى والاضطراب اللذين سادا الجو السياسي والاجتماعي والاقتصادي في بلاد نجد وأثر ذلك إلى حد كبير على البلاد المحيطة بنجد. وصادف الدور الثاني من أدوار التاريخ السعودي بروز حركة محمد علي باشا الاستقلالية مما أثر على سير الحوادث في نجد خاصة وبلاد الجزيرة العربية عامة. فقد ساهم هذا الحدث التاريخي في تأخير تكوين الدولة السعودية الثانية المستقرة. وبعد زوال نفوذ محمد علي باشا من الجزيرة العربية على أثر تطبيق معاهدة لندن عام 1256هـ، 1840م، تهيأت الأسباب الحقيقية لتثبيت جذور الحكم السعودي، وبناء الدولة السعودية الثانية في جو من السلام والأمن والاستقرار النسبي، وقد صادف ذلك عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية. ولم يدم هذا الاستقرار والأمن والسلام طول فترة هذا الدور بل اعترت الدولة السعودية الثانية حالة من الفوضى والاضطراب التي عادت إلى البلاد بسبب الفتنة الأهلية التي نشبت بين الإمام عبد الله بن فيصل وأخيه الأمير سعود بن فيصل، مما أدّى إلى تقويض دعائم الحكم السعودي، وبالتالي سقوط الدولة السعودية الثانية ليحل مكانها حكم آل رشيد في نجد. وعلى الرغم من سقوط الدولة السعودية الثانية لأسباب داخلية عصفت بها، إلا أنها في الوقت نفسه تركت في البلاد النجدية مقومات قيام الدولة السعودية الحديثة التي هي وريثة الدولتين السعوديتين الأولى والثانية، وهو أمر سيرد ذكره في قيام الدولة السعودية الثالثة.
أسئلة

بـيّـن مقومات قيام الدولة السعودية الثانية.
اكتب عن محاولة الأمير مشاري بن سعود لتكوين الدولة السعودية الثانية.
وضح جهود الإمام تركي بن عبد الله في سبيل بناء الدولة السعودية الثانية.
تكلم عن علاقة الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله بالدولة العثمانية ممثلة في زعامة محمد علي باشا.
بيّن كيف استعاد الإمام فيصل بن تركي الحكم من الأمير مشاري بن عبد الرحمن آل سعود.
اكتب عن علاقة الإمام فيصل بن تركي بمحمد علي باشا في فترة حكم فيصل الأولى.
وضح كيف خرج الإمام فيصل من سجنه في القاهرة.
بين إلى أي حد وصلت حدود الدولة السعودية الثانية في عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية.
كيف كانت علاقة الإمام فيصل بن تركي بالدولة العثمانية في فترة حكمه الثانية؟
عرِّف تاريخيًا ما يأتي: المعتلى، المليداء، بئر جودة، مشاري بن عبد الرحمن آل سعود، خالد بن سعود، عبد الله بن ثنيان، مدحت باشا، نافذ باشا، سعود بن فيصل، محمد بن فيصل.
بيّن كيف تمَّ التدخل العثماني في الفتنة القائمة بين الإمام عبد الله بن فيصل والأمير سعود بن فيصل.
بيّن كيف تدخل آل رشيد في شؤون نجد في عهد الفتنة الأهلية في الدولة السعودية الثانية.
اذكر نتائج الفتنة في الدولة السعودية الثانية.
اكتب عن النظام العسكري في الدولة السعودية الثانية.
ما مهمة أمير الإقليم في الدولة السعودية الثانية؟
تكلم عن الشورى في الدولة السعودية الثانية.
تكلم عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد الدولة السعودية الثانية.
اذكر موارد بيت المال ونفقاته في الدولة السعودية الثانية.
علاقتها مع بريطانيا.
ظلت علاقة الدولة السعودية الثانية بالقوى المحلية السياسية المجاورة لها، خاصة في مناطق الخليج، تتشابه إلى حد كبير مع علاقة الدولة السعودية الأولى بتلك القوى، إلا أن علاقة الدولة السعودية الثانية كانت أكثر وضوحًا مع الدول الكبرى، خاصة بريطانيا. فقد زار اللفتنانت كولونيل لويس بيلي البريطاني الرياض عاصمة الدولة السعودية الثانية في ربيع عام 1282هـ، 1865م. ومعروف جدًا أن رحلة بيلي الموظف البريطاني الرسمي في الخليج كانت تهدف في المقام الأول إلى خدمة بريطانيا وخدمة أغراضها ومصالحها في منطقة الخليج، حيث إن بريطانيا كانت تأتي في صدارة الدول الاستعمارية في هذه المنطقة. وظلت بريطانيا تتخوف كثيرًا من نمو القوة الفرنسية في الخليج ومناطق الشرق الأخرى.

شعرت بريطانيا أنها تجاور دولة وطنية محلية قوية، هي الدولة السعودية الثانية، خاصة في عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية التي استمرَّت قرابة اثنين وعشرين عامًا. ولذا رأت بريطانيا عن طريق معتمدها البريطاني في الخليج ضرورة إيجاد نوع من العلاقة بينها وبين الدولة السعودية الثانية التي تمتد حدودها إلى الخليج، ولها يد طولى وقوية على شيوخ المناطق الخليجية. وكان لا بد من ظهور بعض المشكلات السياسية بين الموظفين السعوديين الرسميين في مناطق الخليج وبين بريطانيا صاحبة النفوذ الواسع في تلك المنطقة. وكانت بريطانيا ترى أن تلك المشكلات لا يمكن حلها إلا عن طريق الاتصال المباشر بالإمام فيصل بن تركي الحاكم القوي والمؤثر الفاعل على رؤساء الساحل وشيوخه.

وثمة نقطة جديرة بالاهتمام وهي أن بريطانيا كانت تحاول كسب ود الدولة السعودية الثانية وقتذاك لتعمل قدر جهدها على إبعاد فرنسا عن الميدان بعد أن أحسَّت بالتحركات السياسية الفرنسية في المنطقة، خاصة عندما عرفت بالزيارة التي قام بها جيفورد وليم بيلجريف إلى داخل الجزيرة العربية عام 1280هـ، 1863م، أي قبل وفاة الإمام فيصل بن تركي بحوالي سنتين فقط، وقد تبين أن رحلته هذه كانت من إعداد الحكومة الفرنسية.

وبناءً عليه فإن رحلة لويس بيلي هذه كانت بمثابة فتح الباب بالنسبة للعلاقة السعودية البريطانية، فكانت بريطانيا تسعى للتعرف على نوايا الدولة السعودية الثانية تجاه عدد من القضايا من أهمها: 1ـ إيجاد علاقة صداقة بينها وبين الدولة السعودية الثانية. 2ـ معرفة الحدود الشرقية للدولة السعودية الثانية. 3ـ معرفة القبائل الخليجية التي تعدّها الدولة السعودية الثانية من رعاياها. 4ـ معرفة الوحدات السياسية والقبائل الساحلية التي تدفع الزكاة للدولة السعودية الثانية.

وجدير بالذكر أن بيلي أدرج في تقريره الذي قدمه إلى حكومته قائمة بأسماء القبائل التي كانت تتبع الدولة السعودية الثانية، والقبائل الأخرى التي كانت تدفع الزكاة لها في منطقة الخليج. وقد ودّع بيلي المسؤولين في الرياض قائلاً: “إني لأرجو أن أغادر الرياض وأنا على مودة واتفاق مع الحكومة السعودية، وأن يكون هناك ما يبشر بإيجاد علاقة أكثر ودًا بين بريطانيا والدولة السعودية الثانية. وإني لأرجو أن تسمح لي الفرصة للقيام بخدمة ودية وغير رسمية من أجل تسوية العلاقات بين الرياض ومسقط”.

ويذكر بيلي في تقريره أنه لم تجر أي مفاوضات بينه وبين الإمام فيصل بن تركي بشأن عقد أي معاهدة أو التوصل إلى تفاهم ما حول ذلك، وأن الإمام فيصل بن تركي أعرب له عند الوداع عن رغبته في أن يرجع بيلي إليه في حال وقوع حوادث سلب أو تحطيم أو إغراق للسفن البريطانية في ميناءي القطيف والعقير حتى يُنزل أشد العقوبات بالمعتدين. ويذكر بيلي أيضًا أن الإمام فيصل بن تركي كان قد ذكر له أن زيارته للرياض ستفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الدولة السعودية الثانية وبريطانيا.
علاقة الدولة مع فرنسا.
كانت علاقة الدولة السعودية الثانية مع فرنسا أضعف من العلاقة بين بريطانيا والدولة السعودية الثانية. والواقع أن نابليون الثالث إمبراطور فرنسا كان مهتمًا كثيرًا بمعرفة أخبار جزيرة العرب، بالإضافة إلى حاجته لشراء خيول من أصول عربية لجنوده الخيالة، وقد عثر نابليون الثالث على جيفورد وليم بيلجريف الرحالة الإنجليزي المشهور الذي عمل في بداية حياته ضابطًا بالجيش الإنجليزي في الهند، وكان يتقن العربية، عثر عليه وهو يخطط للقيام برحلة إلى الجزيرة العربية ليطلع على حقيقة أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد رأى نابليون الثالث بثاقب بصره أن يفيد من هذا الرحالة الإنجليزي، ويحوِّل نتائج رحلته ودراسته لحساب السياسة الفرنسية. كما جاء قبل بيلجريف بخمسين سنة، باديا إي لبلخ الذي أطلق على نفسه اسم علي بك، وهو أسباني الأصل، زار الجزيرة العربية وكان يعمل في السر جاسوسًا للإمبراطور نابليون الأول عم الإمبراطور نابليون الثالث.

ومن هذا فإن فرنسا كانت ترغب في قيام علاقات ودية مع الدولة السعودية الثانية أقوى الدول المحلية الوطنية في الجزيرة العربية في ذلك الوقت. وكانت فرنسا قد أعدت مخططًا سياسيًا واسعًا لمد نفوذها في مناطق الشرق من أجل ضرب النفوذ الاستعماري البريطاني في المنطقة. ولذا فقد تركزت السياسة الفرنسية على مبدأ استراتيجية الوصول إلى الهند في الشرق عن طريق ضمان البحار الداخلية والسواحل والمنافذ في الجزيرة العربية. وهذا الأمر يوضح سر التنافس والعلاقة السيئة القائمة بين بريطانيا وفرنسا. والواقع أن بيلجريف لم يحقق لفرنسا أي نوع من الاتصالات أو الاتفاقات بينها وبين الدولة السعودية الثانية، بل على العكس تمامًا فقد اكتشف المسؤولون السعوديون في الدولة السعودية الثانية أن بيلجريف جاسوس وعميل لدولة أجنبية، فطردوه من البلاد. وبناءً عليه فإن الاتصال البريطاني الرسمي بالدولة السعودية الثانية ظل يختلف عن الأسلوب الذي اتخذته فرنسا للاتصال بالدولة السعودية الثانية، ولم يكن هذا الأسلوب موفقًا أبدًا.

ويشير تقرير بيلي إلى أنه استفسر من الإمام فيصل بن تركي عن علاقة الدولة السعودية الثانية بدولة فرنسا. وكان جواب الإمام “أنه من قبل بضع سنين تسلم رسالة من سفينة فرنسية تتعهد فرنسا في تلك الرسالة بتقديم المساعدة له عند الحاجة عن طريق البحر”. ويقول الإمام السعودي “إنني تلقيت رسالة أخرى مماثلة تطلب مني إرسال الرد إلى القنصل الفرنسي في دمشق. وكان ردي على الرسالتين بالشكر والامتنان، وعبرت في ردي على الحكومة الفرنسية بأنني لا أحتاج في الوقت الحاضر إلى أي مساعدة”.

وهكذا انتهت الدولة السعودية الثانية، وانتهى معها الدور السعودي الثاني الذي اتصف في مطلعه بعهد من الفوضى والاضطراب اللذين سادا الجو السياسي والاجتماعي والاقتصادي في بلاد نجد وأثر ذلك إلى حد كبير على البلاد المحيطة بنجد. وصادف الدور الثاني من أدوار التاريخ السعودي بروز حركة محمد علي باشا الاستقلالية مما أثر على سير الحوادث في نجد خاصة وبلاد الجزيرة العربية عامة. فقد ساهم هذا الحدث التاريخي في تأخير تكوين الدولة السعودية الثانية المستقرة. وبعد زوال نفوذ محمد علي باشا من الجزيرة العربية على أثر تطبيق معاهدة لندن عام 1256هـ، 1840م، تهيأت الأسباب الحقيقية لتثبيت جذور الحكم السعودي، وبناء الدولة السعودية الثانية في جو من السلام والأمن والاستقرار النسبي، وقد صادف ذلك عهد الإمام فيصل بن تركي في فترة حكمه الثانية. ولم يدم هذا الاستقرار والأمن والسلام طول فترة هذا الدور بل اعترت الدولة السعودية الثانية حالة من الفوضى والاضطراب التي عادت إلى البلاد بسبب الفتنة الأهلية التي نشبت بين الإمام عبد الله بن فيصل وأخيه الأمير سعود بن فيصل، مما أدّى إلى تقويض دعائم الحكم السعودي، وبالتالي سقوط الدولة السعودية الثانية ليحل مكانها حكم آل رشيد في نجد. وعلى الرغم من سقوط الدولة السعودية الثانية لأسباب داخلية عصفت بها، إلا أنها في الوقت نفسه تركت في البلاد النجدية مقومات قيام الدولة السعودية الحديثة التي هي وريثة الدولتين السعوديتين الأولى والثانية، وهو أمر سيرد ذكره في قيام الدولة السعودية الثالثة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى